آخر المشاركات
         :: Nephrology pearals (آخر رد :doomm007)      :: Module: Basic Mechanical Ventilation (آخر رد :دكتور أشرف)      :: علاج الترامادول (آخر رد :جهاد الحياة)      :: فيديوهات شرح منهج الجراحة كاملا للبكالوريوس و الماجيستير للدكتور على حسيب (آخر رد :dr_m_6000)      :: كيف استعد لعملية تكميم المعدة (آخر رد :dr.elsobky)      :: 10 مميزات لعملية شفط الدهون بالليزر (آخر رد :dr.elsobky)      :: لَقَدْ نَزَل بكم عشرُ رمضانَ الأخيرةُ (آخر رد :دكتور أشرف)      :: سورة القدر...معاني و إشارات (آخر رد :دكتور أشرف)      :: تقوى الله خير زاد (آخر رد :دكتور أشرف)      :: جميع ختمات الأجزاء- مصحوبة بترجمة للمعاني باللغة الفرنسية (قناة المجد) (آخر رد :دكتور أشرف)     


العودة   كل الطب أكبر منتديات طبية عربية 10 أعوام من العطاءAllteb 10 Years of Donation > نحو الجنة > الجنــــــاح العلمـــــي > الرد علي الملاحدة واللادينين

الرد علي الملاحدة واللادينين بعد انتشار هذا الفكر الباطل في هذه االأيام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-08-2013, 01:22 PM   #1
الدكتور ربيع أحمد
مشرف
Allteb
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 658
افتراضي الدرر والفوائد من حديث: " أمرت ان أقاتل الناس.." والرد على المغرضين والزائغين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعـده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مليئة بالفوائد و العبر تهدي العباد إلى خير زاد، و ترشد العقول إلى الخير المأمول إلا أن المغرضين قد ختم الله على سمعهم و على أبصارهم غشاوة فرأوا النور ظلمة و العدل جورا و الحق باطلا فأخذوا يشنعون و يهولون كأنهم رأوا عيبا في الإسلام و ما هو بعيب لسوء فهمهم و لسوء قصدهم و لشدة جهلهم بأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم البليغ الراقي .
و من المسلمين من أساء فهم بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ففهم منها ما لا يصح،وتقول في الدين بلا أثارة من علم فسار على غير هدي و ضل و أضل؛ لأنه افتقد أدوات الفهم و الاستفادة فلم يميز بين صحيح القول و سقيمه.
و قد يفهم البعض من الأحاديث ما لا تدل عليه لوجود معتقدات فاسدة عنده تخالف صحيح الكتاب و السنة و فهم السلف الصالح؛ لأنه قد أول الأحاديث و فق اعتقاده فاعتقد ثم استدل و لم يستدل ثم يعتقد،و من اتبع هواه أضله الهوى و أعماه.
و من الأحاديث التي أساء فهمها المغرضون و الزائغون حديث: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، و هذا الحديث الشريف في الصحيحين أعلى درجات الصحة.


نص الحديث
و هذا الحديث نصه عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ »[1].
و عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَالَ عُمَرُ: « فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ »[2].


الطعن في الصحابة طعن في الدين
و بداية قول ابن عمر رضي الله عنه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-) دليل على أن الصحابة - رضي الله عنهم - بلغوا السنة و نشروها و حفظوها وبالتالي بلغوا الدين و نشروا الدين فالصحابة تلقوا الأحاديث من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – و بلغوها، و من الصحابة تلقى التابعون.
وقد ورث التابعون من الصحابة حفظ الحديث و تبليغه و فقهه، و من التابعين تلقى أتباع التابعين إلى من جاء بعدهم من الأجيال في كل قطر، أضف إلى ذلك حفظ القرآن و جمع القرآن و نشر الدين ولذلك الطعن في الصحابة هو طعن مباشر في الدين، فنحن لم نتلقَّ الدين إلا من طريق الصحابة - رضي اللهعنهم -،و الطعن في النَّاقل طعن في المنقول، والقدح في الناقل قدح في المنقول.
و شهد الله - سبحانه و تعالى -ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بعدالة الصحابة فقد قال الله - سبحانه و تعالى -: ﴿ ُّمحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (سورة الفتح الآية 29 ).
و قال الله - سبحانه و تعالى -: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ (سورة الحشر الآية 8 ).
و قال الله - سبحانه و تعالى -: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (سورة الفتح الآية 18 ).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ »[3].
و الصحابة - رضي اللهعنهم - بعد تعديل الله - سبحانه و تعالى – و تعديل رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليسوا بحاجة لتعديل من أي شخص، ولذلك أجمعت الأمة على عدالتهم.
قال ابن الصلاح: « ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله - سبحانه وتعالى - أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة »[4].
و من المعقول أن الصحابة - رضي اللهعنهم - قد اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه- صلَّى الله عليه وسلَّم-، فجاهدوا معه وآزروه ونصروه واتخذهم أصهارا له فكيف يختار الله خبثاء لصحبة نبيه- صلَّى الله عليه وسلَّم-؟!!
قال أبو زرعة الرازي قال: « إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم- عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة »[5].



[1] - رواه البخاري في صحيحه 1/14 حديث رقم 25 بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: 5] ،و رواه مسلم في صحيحه 1/53 حديث رقم 22 بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، و اللفظ للبخاري .

[2]- رواه البخاري في صحيحه 9/51 حديث رقم 6924 بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ، وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ ،و رواه مسلم في صحيحه 1/51 حديث رقم 20 و اللفظ للبخاري .

[3]- رواه البخاري في صحيحه 5/8 حديث رقم3673 ، ،و رواه مسلم في صحيحه 4/1967 حديث رقم 2540 ، و اللفظ للبخاري .

[4]- علوم الحديث لابن الصلاح 265

[5]- الكفاية للخطيب البغدادي ص 97
__________________
طبيب تخدير و عناية مركزة
قليل التواجد بالمنتدى
الدكتور ربيع أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2013, 01:23 PM   #2
الدكتور ربيع أحمد
مشرف
Allteb
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 658
افتراضي رد: الدرر والفوائد من حديث: " أمرت ان أقاتل الناس.." والرد على المغرضين والزائغين

تعريف الأمر و حكمه
و قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُمِرْتُ) من الأمر.
و الأمرُ طلب الفعل على وجه الاستعلاء و الحتم و الإلزام، أي أن الآمر أو طالب الفعل مترفع على المأمور أي في منزلة فوق منزلة المأمور كأمر اللَّه للمخلوقين، و أمر السيد لعبيده، و أمر الأب لأولاده، و أمر السلطان لرعيته، و على وجه الاستعلاء أخرج طلب الفعل على جهة الدعاء و السؤال و الالتماس فَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْعَاءُ مِنَ الْمُسَاوِي سُمِّيَ الْتِمَاسًا , أَوْ مِنَ الْأَعْلَى سُمِّيَ سُؤَالًا[1].
وإذا ورد لفظ الأمر متعريًا عن القرائن اقتضى وجوب المأمور به[2] أي حكم الْأَمر الْمُطلق الْوُجُوب واللزوم[3] فالأمر يفيد الوجوب ما لم يأت صارف [4]، و دليل أن الأمر يفيد الوجوب أنه لو لم يكن الأمر للوجوب ما عاقب الله إبليس على امتناعه عن السجود في قول الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ و َإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ (سورة البقرة من الآية 34)، وقد حذر من يخالف أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم، والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك واجب؛ فدل على أن أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور به في قول الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (سورة النور من الآية 63 )
و من الأمثلة على الأمر قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (سورة آل عمران الآية 102) فهنا قد أمر الله بالتقوى على سبيل الحتم والإلزام أي يجب علينا تقوى الله و الموت على الإسلام.


الآمر للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
و قَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ( أُمِرْتُ) بصيغة المجهول أي أبهم الفاعل أي لم يذكر الفاعل،و لا يمكن أن يؤمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من قبل أحد إلا من الله لذلك الآمر للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –هو الله - سبحانه و تعالى - و أبهمه للعلم به فمعنى: ( أُمِرْتُ) أَيْ أَمَرَنِي اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَّا اللَّهُ[5]،و هذا يفيد جواز إبهام المعلوم إذا كان المخاطب يعلمه.
و قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أُمِرْتُ) يدل أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عبد مأمور يوجه إليه الأمر كما يوجّه إلى غيره.
ما يفيده قول الصحابي أمرنا
علمنا أن الآمر للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو الله، و لابد أن نشير إلى مسألة مهمة اختلف فيها أهل العلم ألا وهي إذا قال الصحابي أمرنا فمن هو الآمر، والراجح من كلام أهل العلم أن قول الصحابي: " أُمرنا بكذا "، أو " نُهينا عن كذا "، أو " أوجب علينا كذا "، أو " حرم علينا كذا "، أو " أبيح لنا كذا "، ونحو ذلك، يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يحمل على غير ذلك، لذلك يجب العمل به؛ لأن مراد الصحابي من قوله هذا هو الاحتجاج لإثبات الأحكام الشرعية، فيجب حمل الأمر أو النهي على أنه صدر ممن يحتج بقوله، وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء[6].
قال الآمدي : « إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نُهِيْنَا عَنْ كَذَا، وَأُوْجِبَ عَلَيْنَا كَذَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا كَذَا، أَوْ أُبِيحَ لَنَا كَذَا، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ إِضَافَةُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ »[7].
قال بدر العيني: « قوْله: (أمرت)، على صِيغَة الْمَجْهُول، يدل على أَن الله – تَعَالَى - أمره، وَإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ ذَلِك فهم أَن رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- أمره »[8] .
الآمر بقتال الكفار هو الله
و قَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) يدل أن الله أمره بقتال الناس و ليس المقصود كل الناس بل الكفار غير أهل الكتاب والمجوس كما سنبين بإذن الله، و الأمر يفيد الوجوب ما لم يأت صارف، وليس عندنا في هذا المقام صارف يصرفه عن الوجوب، فقتال الكفار واجب.
و مادام الأمر من الله و هو رب الجميع فلا يحق لأحد أن يعترض على حكم الله و يقول لما تقاتلون الكفار ، و قد قال الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ ﴾ (الأعراف من الآية 54) فالخالق يتصرف في ملكه كما يشاء و كيف يشاء.
و قال الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الأنبياء الآية 23) أي لا يحق لأحد أن يعترض، و يقول لما يفعل الله كذا أو يقول لما يأمر الله بكذا أو يقول لما ينهى الله عن كذا فهذا سوء أدب مع الله و إن كان سائلا فليقل ما الحكمة من فعل الله كذا فأفعال الله لا تخلوا من حكمة .
وما دام الله هو الذي أمر، و الله يأمر بالعدل و أحكامه كلها عدل فقتال الكفار ليس فيه ظلم لهم بل هو عدل من الله قال - سبحانه و تعالى - :﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون ﴾ (النحل الآية 90) ، و قال - سبحانه و تعالى - :﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [9] .
و من تعطيه كل شيء غذاء مال ملبس بناء وهكذا و تطلب منه أن يشكرك - و إن كنت لست بحاجة إلى شكره - فبدل من أن يشكرك على نعمك شكر غيرك و ادعى أن غيرك هو المتفضل عليه، و أنكر فضلك هل هذا يستحق الحياة؟!!!
و من تعطيه سكن و مال و أرض و تطلب منه فقط أن يحوط سكن لك بحائط، و المال المتطلب لبناء لحائط أعطيته له و المواد اللازمة لبناء الحائط أعطيتها له،و كل ما يحتاجه لبناء الحائط أعطيته له،و أزيد منه بكثير ثم بدل من أن يفعل ما قلت له تمرد و لم يفعل بل و استخدم ما أعطيته له في بناء حائط لغيرك هل هذا يستحق الحياة؟!!!
و إذا رأيت أب جعله الله سببا في وجود ابنه و قد ربي ابنه و أنفق عليه الغالي و النفيس و أعطاه كل ما يحتاجه و أهداه عشرات الهدايا ثم لما شب الابن أنكر فضل أبيه و انتسب لغير أبيه هل هذا الابن يستحق الحياة؟!!!
و الله خلق الإنسان ليعبده و سخر له كل ما في الأرض ليستعين بها على عبادته سبحانه، و بدل من أن يعبده كفر به، و استغل نعم الله في مبارزة الله بالكفر هل هذا الإنسان يستحق الحياة؟!!!
إن الكافر قد أجرم جرما عظيما حيث كفر بمن خلقه و شق سمعه و بصره و كرمه على كثير من مخلوقاته، والعقوبة تقدر بقدر الذنب، ولا يوجد ذنب أعظم من الكفر، و قد قال الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ وَ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ (النساء من الآية 48 ).


قتال الكفار ليس خاصا بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
أدعي البعض أن قوله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (أمرت) خاص به فقتال الكفار خاص به،و ليس للولاة من بعده، و هذا لا يصح؛ فالأمر بقتال الكافرين أمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- ، وأمته داخلون معه فيه؛ لأن الأصل أن أمر الله - سبحانه و تعالى - لنبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أمر له و لأمته، ما لم يدل دليل على التخصيص.
قال الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (الأحزاب الآية 21 ) أي لقد كان لكم في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلموأفعاله وأحواله قدوة حسنة تتأسون بها , فألزموا سنته, فإنما يسلكها ويتأسى بها مَن كان يرجو الله و اليوم الآخر , و أكثرَ مِن ذكر الله و استغفاره , و شكره في كل حال.
و قال ابن حزم: « لا يحل لأحد أن يقول في شيء فعله عليه السلام إنه خصوص له إلا بنص »[10].
قال ابن رجب: « و خطابه -صلى الله عليه وسلم- لا يمنع مشاركة أمته له في الأحكام »[11].
و قال ابن القيم: « الْأَصْلَ مُشَارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ »[12].


معنى قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أقاتل
و قَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ( أُقَاتِلَ) من المقاتلة على وزن مفاعلة، و المفاعلة لا بد أن تكون بين اثْنَيْنِ، و المقاتلة و القتال هي المحاربة بَين اثْنَيْنِ فَإِذا قلتَ: قَاتل فلانٌ فلَانا فَإِنَّهُ لَا يكون إلاّ بَين اثْنَيْنِ[13].
فرق بين المقاتلة و القتل
و هناك فرق شاسع بين المقاتلة و القتل، و القَتْلُ معروف، يقال: قَتَلَه إذا أماته بضرب أو جرح أو علة[14]، و قَالَ اللَّيْث: « الْقَتْل مَعْرُوف، يُقَال: قتَله: إِذا أَمَاتَهُ بضربٍ أَو حجر أَو سمّ أَو علّة » [15].
وَ قَاتَلَ: لَا تَدُّلُ عَلَى الْقَتْلِ بل تدل على مقاتلة أو حرب بين اثنين، و لَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ وُجُودُ الْقَتْلِ فقَدْ تَكُونُ مُقَاتَلَةً وَ لَا يَقَعُ قَتْلٌ إذ الْقِتَالُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَذَى، وَ لَيْسَ الْقَتْلُ إِلَّا بَعْضَ أَحْوَالِ الْقِتَالِ.
قال بدر العيني: « لَا يلْزم من إِبَاحَة الْقِتَال إِبَاحَة الْقَتْل؛ لِأَن بَاب المفاعلة يسْتَلْزم وُقُوع الْفِعْل من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِك الْقَتْل فَافْهَم »[16].
قال ابن دقيق العيد: « فَرَّقَ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ فَإِنَّ " الْمُقَاتِلَةَ " مُفَاعِلَةٌ، تَقْتَضِي الْحُصُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَةِ الْمُقَاتِلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا قُوتِلَ عَلَيْهَا إبَاحَةُ الْقَتْلِ عَلَيْهَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ عَنْ فِعْلِهَا إذَا لَمْ يُقَاتِلْ »[17].
قال ابن عثيمين: « وقوله: أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ هذا المأمور به، و المقاتلة غير القتل فالمقاتلة: أن يسعى في جهاد الأعداء حتى تكون كلمة الله هي العليا، و القتل: أن يقتل شخصاً بعينه، و لهذا نقول : ليس كل ما جازت المقاتلة جاز القتل، فالقتل أضيق ، و لا يجوز إلا بشروط معروفة، و المقاتلة أوسع »[18].
كلمة أقاتل دلت أن المقصود من يقاتل من الكفار دون غير المقاتلين
و كلمة أقاتل دلت أن المقصود بالقتال من يقاتل من الكفار دون غير المقاتلين فمَنْ لَا يُقَاتِلُ و لا يحارب، وَ لَا يَتَأَهَّلُ لِلْقِتَالِ و الحرب فِي الْعَادَةِ لا يقاتل من قبل المسلمين ؛ لأن الْمُقَاتِلَةَ مُفَاعِلَةٌ، تَقْتَضِي حُصُولَ المقاتلة مِنْ الْجَانِبَيْنِ، و ليس من جانب واحد.
أما الكافر الذي لا يقاتل المسلمين و لا يحارب فِي الْعَادَةِ كالنساء والأطفال و الرهبان ونحوهم فإن قتلهم يعتبر ظلماً واعتداء لا يرضاه الله - سبحانه و تعالى-، و قد ورد بذلك الكتابوالسنة، وطبقه المسلمون في حروبهم.
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –أقاتل الناس
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (أقاتل الناس)ليس على عمومهفليس المراد كل الناسفهو عام أريد به الخصوص أي ليس المراد كل الناس ؛ لأن من الناس من استجاب للدعوة و أسلم و صلى و زكى و قام بسائر شعائر الإسلام.
و من استجاب للدعوة و أسلم ليس داخلا في هذا اللفظ من حيث الحكم، وإن دخل من حيث اللفظ فالصحابة غير داخلين في الحكم،و كل من أسلم و قام بسائر شعائر الإسلام غير داخل في الحكم ، ولكن المقصود بالناس من لم يستجب لدعوة الإسلام من الكفار ؛ لأن الأمر بالقتال لا يكون أول الدعوة، إنما يعرض الإسلام أولا ، ثم إذا عاند و أبى و قاتل قوتل.
و ليس المراد كل الكفار بل من يقاتل من الكفار و يحارب أو من هو من أهل القتال من الكفار لقَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ( أُقَاتِلَ) فخرج بذلك النساء و الصبيان و الرهبان و من لا قدرة له على القتال.
و قد جاءت نصوص من السنة تؤكد هذا المعنى فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، « فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ »[19]
و عن رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا ، فَقَالَ: « انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟ » فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ. فَقَالَ: « مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ » قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا. فَقَالَ: « قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا »[20] فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- العلة في النهي عن قتل المرأة كونها لا تقاتل أي ليس من أهل القتال و الحرب.
و هذه الأحاديث تفيد النهي عن قتل كل من لم يقاتل المسلمون أو أعان على قتل المسلمين و أمن المسلمون من ناحيته من امرأة أو أجير أو صبي أو نحو ذلك، وأما من قاتل أو دعم المقاتلين برأي أو غير ذلك فيقتل كدريد بن الصمة وكان شيخاً كبيراًإلا أنه كان له رأي يفيد به المشركين و قتلت القرظية؛ لأنها قتلت رجلا .
وفي هذا رد على من يقول أن الإسلام أجبر الناس على الدخول فيه إذ لو كان الجهاد لإجبار الكفار على الدخول في الإسلام لما أمر الشرع بالكف عن قتل النساء والصبيان و نحو ذلك .
و الكف عن قتال النساء والصبيان و نحو ذلك يدل أن الإسلام لا يتوسع في إزهاق الأرواح بل يحترم النفس البشرية ويصونها و لا يستبيح إزهاقها إلا بقدر ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، و جيوش المسلمين ما انطلقت إلا لصالح الناس و إنقاذهم من الكفر فالإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه .
و الكف عن قتال النساء والصبيان و نحو ذلك يدل أن الجهاد في سبيل الله ليس المقصود فيه إبادة و استئصال الكفار فالحرب في الإسلام ليست ثأرية أو انتقامية تهدف إلى إفناء الخصم عن بكرة أبيه بل ضيق الشرع القتال فاقتصر على قتال المعاندين المقاتلين من الكفار لردعهم عن كفرهم و عنادهم و حربهم للإسلام و لتأمين المعتنقين للإسلام، و لإعطاء الفرصة لمن لم يستطع الدخول في الإسلام أن يدخل و من أعطي فكرة خاطئة عن الإسلام أن يصححها،و الإسلام جاء ليبنى الحياة ويعمرها، لا ليدمرها ويهدمها.
و قد استثنى الشرع من الكفار المقاتلين أهل الكتاب و المجوس إذا أعطوا الجزية فقال تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِاليَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صَاغِرُونَ﴾ (سورة التوبة الآية 29).
و قد شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخَذَ الجزية مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ [21] أما بقية الناس من المشركين ومن لا كتاب لهم فإنهم ليس لهم إلا أحد أمرين: إما الإسلام، وإما القتال.
و قبول المسلمين لأخذ الجزية من أهل الكتاب و المجوس بدل قتالهم دليل على أن المراد إلزام الناس بالتزام أحكام الإسلام لا إلزام الناس بالإسلام فيظهر الإسلام على الدين كله و أنه ليس المقصود استئصال شأفة الكفار بل إخضاع الجميع لحكم الله، و أي دولة تفرض على من ليس منها بعض الضرائب نظير تقديم الخدمات له.
و الخلاصة أن قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (أمرت أن أقاتل الناس)المقصود به الكفرة غير أهل الكتاب والمجوس أما اليهود والنصارى والمجوس فقد ثبت بالنصوص الشرعية أخذالجزية منهم فالواجب أن يجاهدوا ويقاتلوا مع القدرة حتى يدخلوا في الإسلام أويؤدوا الجزية، أما غيرهم فالواجب قتالهم إلى أن يسلموا .

[1] - انظر شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي ص 103 ،و أصُولُ الِفقهِ الذي لا يَسَعُ الفَقِيهِ جَهلَهُ لعياض بن نامي بن عوض السلمي ص 216 ،و الأصول من علم الأصول ص 23 ،و علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 195 ،و قواعد الفقه للبركتي ص 191 ،و الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ لعبد الكريم بن علي بن محمد النملة 3/1311

[2]- العدة في أصول الفقه لأبي يعلى بن الفراء ص 224

[3] - أصول السرخسي 2/334

[4]- انظر إرشاد الفحول للشوكاني 1/250 ، قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني 1/81 ،و من أصول الفقه على منهج أهل الحديث لزكريا الباكستاني ص 108 ،و و الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ لعبد الكريم بن علي بن محمد النملة 3/1336

[5]- فتح الباري لابن حجر 1/76

[6] - الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح لعبد الكريم بن علي بن محمد النملة ص 121

[7]- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2/97

[8]- عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/215


[9]- الكهف من الآية 49

[10] - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 4/433

[11]- فتح الباري شرح صحيح البخاري 8/353

[12]- زاد المعاد في هدي خير العباد 3/273

[13]- تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي 9/62 ، و انظر تاج العروس 30/234

[14]- العين للخليل الفراهيدي 5/127

[15]- تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي 9/62

[16]- عمدة القاري شرح صحيح البخاري 1/181

[17]- إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام 2/219

[18]- شرح الأربعين النووية ص 126


[19]- رواه البخاري في صحيحه 4/61 حديث رقم 3015 ،و رواه مسلم في صحيحه 3/1364 حديث رقم 1744

[20] - سنن أبي داود 3/53 حديث رقم 2669 قال الألباني : حسن صحيح

[21] - - رواه البخاري في صحيحه 4/96 حديث رقم 3156بلفظ حتى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –أَخَذَها _ قلت أي الجزية - مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ
__________________
طبيب تخدير و عناية مركزة
قليل التواجد بالمنتدى
الدكتور ربيع أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2013, 01:24 PM   #3
الدكتور ربيع أحمد
مشرف
Allteb
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 658
افتراضي رد: الدرر والفوائد من حديث: " أمرت ان أقاتل الناس.." والرد على المغرضين والزائغين

كلمة أقاتل الناس دلت أن المقصود من الجهاد الإذعان و الردع وليس الإبادة و الاستئصال للكفار
و قَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ( أُقَاتِلَ) بدلا من (أقتل) دل أن المقصود من جهاد الكفار هو ردعهم عن الكفر و إذعانهم لحكم الإسلام، و ليس المقصود الإبادة و الاستئصال فلو كان المقصود الإبادة و الاستئصال لكان اللفظ (أقتل) بدلا من ( أُقَاتِلَ) إذ القتل يشمل قتل من يقاتل و من لا يقاتل، و غاية المقاتلة قتال من يقاتل،و ليس قتله، و إن كان قد يحدث قتل عند المقاتلة ، و المقاتلة أضيق من القتل.
و المقاتلة لا تكون إلا للمحاربين و المتأهلين للحرب و المتأهلين للقتال، و المحاربون و المتأهلون للحرب من أهم دروع القوة في أي دولة فالسيطرة عليهم و إلحاق الهزيمة بهم تعتبر سيطرة على الدولة، وبالسيطرة على الدولة الكافرة و بهزيمة القوة العسكرية في الدولة الكافرة تأمن الدولة الإسلامية من شرها في الغالب، و يمكن حينئذ نشر الإسلام في الدولة الكافرة دون وجود من يعوق انتشاره.
أي أن قتال الكفار بالسيف ليس للتحكم والتسلط في البلاد المفتوحة لكن القتال كان وسيلة لتأمين دعوة الإسلام من أعدائه و لكسر حاجز من يمنع نشر دعوته للناس بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدخول، ولا يخاف من دخل فيه من قوة في الأرض تصده عن دين الله، و كأن القتال لإسماع الناس الإسلام لإنقاذهم من النار و لحمايتهم من الطغاة الظالمين لا إكراه الناس على الدخول في الإسلام.
و من المعلوم أن القوة هي أفضل علاج للقوة فإذا كانت الدولة الكافرة تستغل قوتها و نفوذها في منع إسماع الناس كلمة الإسلام، و صد الناس عن الإسلام و رفضت الإذعان لحكم الإسلام فلابد لهذه القوة أن تهزم و تردع عن حجب الحق و رفض الحق،ومنع انتشار الحق؛ لأن من حق العباد أن تبلغ إليهم الدعوة إلى الإسلام , وألا تقف عقبة أو سلطة في وجه التبليغ بأي حال من الأحوال.
و هذا لا يتحقق إلا بالقتال فالقتال إنما يكون لملوك الدول الظالمين و أعوانهم تأديباً لهم ليرجعوا عن ظلمهم و كفرهم و يفسحوا المجال لبيان نور الإسلام فمن لم تقومه الكتب قومته الكتائب، أي: من لم يقومهالقرآن و السنة، والدعوة إلى الله - سبحانه و تعالى - بالكلام، فإنه ينتقل بعد ذلك إلى السيف و القتال أي لابد من ردع الظالمين الكافرين بالقوة عندما لم ينتفعوا بالموعظة، و لم يقبلوا الموعظة.


قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (أمرت أن أقاتل الناس) أمر بإعداد القوة و أمر بالتقدم
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (أمرت أن أقاتل الناس) فيه وجوب إعداد القوة و وجوب التقدم إذ لا يستقيم قتال بلا إعداد و بلا تقدم، و الوسائل لها أحكام المقاصد فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها[1].
و لكي يستطيع المسلمون مقاتلة الكفار الطغاة الظالمين المعاندين لابد أن يكون عندهم قوة تربو على قوتهم العدو أو تماثلها أي لا بد أن يأخذ المسلمين بأسباب القوة والمنعة، و أن يكون عندهم التهيؤ، والاستعداد لمقاتلة العدو في أي وقت فلا ينتظر المسلمون حتى يروا أمارات السوء، و الشر و العدوان من عدوهم فلابد أن يمتلكوا وسائل الدفاع والردع في أي وقت.
و كلمة أقاتل فيها رد على الجهال الذين يدعون أن التمسك بالدين يدعو للتخلف و عدم مواكبة التطور و العلم إذ كيف سنقاتل العدو بلا قوة و المقصود بالقوة ليس فقط القوة العسكرية فالحرب لم تعد حرب قتالية وحسب فهناك الحروب الباردة الحروب الاقتصادية و الفكرية و غير ذلك.
وخير بيان لدعوة الإسلام للتقدم والتطور و العلم قوله تعالى: ﴿ و أعِدُّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرِينَ مِن دُونِهِم لاَ تَعلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعلَمُهُم وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىءٍ فِى سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لاَ تُظلَمُونَ (سورة الأنفال الآية 60).
قال الشنقيطي: « قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾، فَهُوَ أَمْرٌ جَازِمٌ بِإِعْدَادِ كُلِّ مَا فِي الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ قُوَّةٍ ، و َ لَوْ بَلَغَتِ الْقُوَّةُ مِنَ التَّطَوُّرِ مَا بَلَغَتْ، فَهُوَ أَمْرٌ جَازِمٌ بِمُسَايَرَةِ التَّطَوُّرِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَعَدَمِ الْجُمُودِ عَلَى الْحَالَاتِ الْأُوَلِ إِذَا طَرَأَ تَطَوُّرٌ جَدِيدٌ، وَلَكِنْ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ»[2].
و قال الشعراوي: « و هذا تكليف من الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يجاهدون لإعلاء كلمته بضرورة أن يعدوا دائماً قدر إمكانهم ما استطاعوا من قوة و لماذا قدر استطاعتهم؟ لأن الإنسان محدود بطاقة، ووراء قدرة المؤمنين قدرة الله سبحانه، و لذلك أنت تعد قدر ما تستطيع ثم تطلب من الله أن يعينك.
وإذا ما صنعت قدر استطاعتك، إياك أن تقول: إن هذه الاستطاعة لن توصلني إلى مواجهة ما يملكه خصمي من معدات يمكن أن يهاجمني بها، فخصمك ليس له مدد من السماء إنما أنت لك المدد السماوي، و ما دام لك هذا المدد فقوتك بمدد الله تجعلك الأقوى مهما كان عدوك .
ولذلك عندما يحدث الله تعالى المؤمنين يوضح لهم: إياكم أن تخافوا من كثرة عدد عدوكم، والمطلوب منكم أن تعدوا له ما استطعتم من قوة وحتى أطمئنكم أني معكم، تذكروا آية واحدة أنزلتها، و هي: ﴿ سَنُلْقِيفِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ (سورة آل عمران من الآية 151).
وساعة يلقي الله عَزَّ وَجَلَّ في قلوب الذين كفروا الرعب سيلقون سلاحهم ويفرون من ميدان القتال ولو كانوا يحاربون بأقوى الأسلحة، و سيتمكن المؤمنون منهم وينتصرون عليهم بأية قوة أعدوها، و قوله تعالى: ﴿مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ .
هذه القوة قد تكون ذاتية في النفس بحيث لا تخاف شيئاً، فجسم كل مقاتل قوي ممتلئ بالصحة وله عقل يعمل باقتدار و إقبال على القتال في شجاعة ، بالإضافة إلى قوة السلاح بأن يكون سلاحاً حديثاً متطوراً بعيد المدى، وأن يحرص المؤمنون على امتلاك كل شيء موصول بالقوة، و كان الهدف قديماً و حديثاً أن يمتلك المقاتل قوة تمكنه من عدوه و لا تمكن عدوه منه »[3].
و الأمر بالقتال أمر بإعداد القوة لإرهاب العدو، و القدرة على الغلبة عليه، و هذا يستلزم أن نعد قوة أقوى من قوة العدو ما استطعنا لإلقاء الرعب في قلوب الأعداء فلا يجرؤون على المقاتلة لحرص الإسلام على عدم الدخول في حرب تزهق فيها الأرواح فإن الرهبة ستمنع العدو من الهجوم والدخول في القتال فلا تحدث حرب و بهذا قد ضيق الإسلام القتال حتى مع المحاربين.
و الدولة الإسلام لا يمكن أن تكون لها قائمة ما لم تكن لها قوةٌ تحميها وتناضل عنها؛ لذلك حرص الإسلام على أن يتصف أهل الإيمان بالقوة، وعلى أن يكونوا دائما على استعداد، لمواجهة أهل الباطل، مهما تكن التضحيات في النفس، والأهل والمال. .

و يقول بعض المغرضين إن المسلمون يقاتلون من أجل الدين و سخروا قواهم في نشر الدين و في علوم التفسير و الحديث و الفقه حتى سبقهم الغرب الكافر بالتقدم العلمي، والغرب الكافر أخلصوا في العلم حتى تقدموا و نفعوا الناس بل و نفعوا المسلمين ثم يأتي المسلمون ليحاربوهم.

و الجواب الدين يدعو إلى العلم و التقدم فقد أمرنا بإعداد القوة ما استطعنا و لا يمكن إعداد القوة بلا تقدم و بلا علم و أمرنا الدين بتعلم العلوم النافعة من علوم الدنيا بل وجعلها من فروض الكفايات و المسلمون عندما كانوا متمسكون بدينهم كانت دولهم أكثر دول العالم حضارة و ازدهار.

و ماذا ينفع الغرب الكافر إذا كسب العالم و تقدم في العلم و خسر نفسه ،و التقدم العلمي لا بد له من دين يقومه إذا حاد عن الصواب.

و لأن الغرب الكافر ليس على دين صحيح يقومه إذا أعوج و مع تقدمه العلمي قد أشاع الظلم واستبداد الدول الفقيرة و احتلال الدول الفقيرة و قتلوا الأبرياء و سلبوا حقوق الناس.
و ما جرائم أمريكا في العراق ببعيد و ما جرائم إسرائيل في فلسطين و لبنان ببعيد و ما جرائم فرنسا في الجزائر ببعيد و ما الحرب العالمية الأولى و الثانية منا ببعيد و الجرائم كثيرة جدا.


قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، و َيُؤْتُوا الزَّكَاةَ )
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي أمرني ربي أن أقاتل عبدة الأوثان إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله، و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة[4].


و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله) أي إلى أن يشهدوا، و ليس كي يشهدوا أن لا إله إلا الله فحتى للغاية، و ليست للتعليل؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بعد علم و معرفة، والعلم و المعرفة لا يكون إلا بعد سماع الدعوة باهتمام و حب، ولا يمكن التعلم بالمعرفة والحب مع الضرب فضلا عن القتال، والضرب هو آخر وسيلة للتربية و التعليم بعد عدم جدوى الوسائل الأخرى فالقتال شرع لردعهم عن الكفر،و ظلم أنفسهم بالكفر، وحجب دعوة الإسلام لا لإجبارهم على الدخول في الإسلام.


قال بدر العيني: « حَتَّى للغاية، وَ قد جعل رَسُول الله-صلى الله عليه وسلم-، غَايَة الْمُقَاتلَة القَوْل بقول: لَا إله إلاَّ الله»[5].

و الحديث يدل على عظم الشهادتين و الصلاة والزكاة؛ لأن القتال لا يكون إلا على أعظم الواجبات.


قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ )


قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (يَشْهَدُوا) من الشهادة.

و الشهادة الإِخبار بما شاهده الشاهد[6] أو الشَّهادَة خَبرٌ قاطعٌ تقولُ مِنْهُ: شَهِدَ الرجلُ عَلَى كَذَا، وَرُبَّمَا قَالُوا شَهْدَ الرجلُ، بِسُكُونِ الْهَاءِ لِلتَّخْفِيفِ؛ عَنِ الأَخفش و َقَوْلُهُمُ: اشْهَدْ بِكَذَا أَي احْلِف.[7] أو الشهادة هي الْإِخْبَارُ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ مُشَاهَدَةً وَ عِيَانًا يُقَالُ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا شَهَادَةً فَهُوَ شَاهِدٌ و َهُمْ شُهُودٌ وَ أَشْهَادٌ وَ هُوَ شَهِيدٌ وَ هُمْ شُهَدَاءُ[8].


و شاهد الشئ إذا رآه بعينه، و المشاهدة في الشهادة هي إدراك الشئ بإحدى الحواس الخمسة و هي السمع و البصر و اللمس و الشم و الذوق [9].


و أطلق لفظ الشهادة على شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنها أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به , فلا ينصرف الإطلاق إلا إليها [10].


و معنى قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أي إلى أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله عن علم و يقين، و لذلك عبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بـ (حَتَّى يَشْهَدُوا) و لم يعبر بـ (حتى يقولوا)؛ لأن الشهادة تتضمن أشياء:
الأول: الاعتقاد بما سينطق به، والاعتقاد بما شهده فكونه يشهد أن لا إله إلا الله يستلزم أنه اعتقد بقلبه معنى هذه الكلمة من علم ويقين؛ لأن الشهادة فيها الاعتقاد، والاعتقاد لا يسمى اعتقادا إلا إذا كان ثمَّ علم ويقين.
الثاني: التكلم بها، فالشهادة كما أنها تقتضي اعتقادا؛ فإنها تقتضي - أيضا - إعلاما ونطقا.
والثالث: الإخبار بذلك، والإعلام به، فينطق بلسانه، وهذا من جهة الواجب وأيضا لا يسمى شاهدا حتى يُخبر غيره بما شهد، وهذا من جهة (الشهادة).
فيكون معنى: أشهد أن لا إله إلا الله: أعتقد وأتكلم، وأعلم، وأخبر: بأن لا إله إلا الله. فافترقتْ بذلك عن حال الاعتقاد، وافترقتْ كذلك عن حال القول، كما افترقت - أيضا - عن حال الإخبار المجرد عن الاعتقاد، فلا بد لتحققها من حصول الثلاثة مجتمعة؛ و لهذا نقول في الإيمان إنه: اعتقاد بالجنان، و قول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان [11].
و معنى شهادة أن لا إله إلا الله أن يقر الإنسان بلسانه و يعتقد بقلبه أن لا معبود بحق إلا الله فيقتضي ذلك عملا أن يعبده وحده و ألا يعبد غيره، و احتجنا إلى تقدير (حق) لنخرج المعبودات الباطلة إذ لو قلنا: لا معبود إلا الله لوقعنا في خطأ فاحش ألا وهو كل معبود هو الله سواء أكان بحق أو بباطل و هذا الكلام باطل شرعا و عقلا فالله هو المعبود بحق و ما سواه معبود بباطل، والله غير هذه المعبودات فهي مخلوقة و هو خالق .
ومن الناس من يعبد غير الله كالشمس والقمر والأصنام والملائكة والأنبياء، و كل هذه المعبودات عبدت من دون الله بلا حق فتقديرنا كلمة (حق) في قولنا: لا معبود بحق إلا الله ضروري لإخراج كل من عبد من دون الله بلا حق

و تقديرنا كلمة (حق) في قولنا: لا معبود بحق إلا الله لنفي ما يعتقده أهل وحدة الوجود من أن كل معبود في الأرض هو الله - سبحانه وتعالى -؛ لأن أهل وحدة الوجود يعتقدون أن كل شيء تعبده فهو حق أو كل شيء عبد من دون لله فهو حق و يزعمون أنه لا يجوز أن ننكر على عبدة الأصنام ولا على عبدة الأحجار، ولا عبدة البشر؛ لأن هؤلاء إنما يعبدون الله عندهم.
و شهادة أن لا إله إلا الله تعني : الإقرار المجمل بالتوحيد ، و البراءة المجملة من الشرك؛ لأن فيها نفياً وإثباتاً فـ (لا إله ): براءة من كل ما يعبد من دون الله أي لا يستحق كل ما يعبد من دون الله العبادة أي نفي استحقاق كل ما هو غير الله بالعبادة، و (إلا الله) إثبات استحقاق الله عز وجل وحده بأن يعبد بلا شريك و كأن شهادة أن لا إله إلا الله تشمل تصفية العبادة من الشرك ثم التحلية بالتوحيد، و كأن التلذذ بالتوحيد لا يمكن التمتع به في وجود شوائب من الشرك لذلك أهل السنة والجماعة هم أنعم الناس بلذة التوحيد.
و معنى شهادة أن محمد رسول الله أن يعتقد الإنسان بقلبه و يقرّ بلسانه بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي رسول من عند الله و خاتم الرسل، أنزل الله عليه القرآن، وأرسله إلى الإنس و الجن كافة،و مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا نعبد الله إلا بما شرع [12] .
و كون محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رسول من عند الله فلا بد أن نقر و نؤمن أنه صادق في كل ما جاء به عن الله - سبحانه وتعالى -، و في كل ما أخبر به عن الله - سبحانه وتعالى -، و لا يجوز لأحد أن يُعترض عليه فيما أحل لأمته وفيما حرم على أمته، فإذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذا حرام عليكم فكلامه حق لا يجوز أن نعترض عليه، وإذا قال هذا واجب عليكم فكلامه حق لا يجوز أن نعترض عليه، و إذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذا يكون في الآخرة لا بد أن يكون، و لا يجوز أن نشك في إخباره، وإذا قال في أمر غيبي شيئا فالأمر كما قال، و لا يجوز أن نشك في إخباره.
والشهادة لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالرسالة تعني الإقرار المجمل بكل ما جاء به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تصديقاً وانقياداً، و يجب إتباع شريعته، والتزام سنته في السر والجهر، مع الرضا بما قضاه والتسليم له.
و الشهادة تتضمن الإخبار، والإخبار لا يكون إلا باللسان فلا بد من النطق بالشهادتين للقادر حتى يدخل في الإسلام، و حتى يعصم دمه و ماله، والنطق بالشهادتين مع عدم اعتقادها نفاق و إن كان يعصم الدم و المال؛ لأننا مأمورون بالأخذ بالظاهر ، و قد يرجع المنافق للصواب مع الوقت و إخفاءه الكفر و إظهاره الإيمان خير من إظهار الكفر و تكثيره، و إن كان كلاهما سيء.
قال أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي: « وقد يقع الإسلام على من أتى بلفظ الشهادتين وإن لم يصدق بقلبه، ويستفيد بذلك عصمة دمه وماله في الدنيا لقوله - صلى الله عليه وسلم-: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمداً رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها »[13].
و قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (حَتَّى يَشْهَدُوا) ولم يقل: (حتى يقروا)؛ لأن الشهادة أخص و آكد من الإقرار قد يقر الإنسان بشيء لم يشهده، ومن هنا كان قول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنه يقر بأمر مشهود محسوس عنده بيقين، ولذلك العقائد لا يكفي فيها غلبة الظن كما هو في أمور العبادات والمعاملات، بل لا بد أن تكون على يقين وقطع جازم.
و قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (حَتَّى يَشْهَدُوا) ولم يقل : (حتى يعلموا)؛ لأن الشهادة أخص من العلم؛ لأن علم الإنسان شيئا يسمعه ويشهد عليه أقوى من علمه شيئا يسمعه و لا يشهد عليه.
وكون بعض أحاديث: (أمرت أن أقاتل الناس) اشترطت الشهادة الأولى -لا إله إلا الله- و لم تذكر الشهادة الثانية - محمد رسول الله - فهذا من باب الاكتفاء بما يدل على المقصودأو الاكتفاء بما يدل عليه الكلام أو الاكتفاء بما يدل على المرادأو الاختصار من بعض الرواة؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم شهادة أن محمد رسول الله، أو لأن المقصود في الحديث هنا: (أمرت أن أقاتل الناس) هم مشركو العرب، ولم يكونوا ليقروا بشهادة التوحيد إلا إذا شهدوا لمن جاء بها، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم-، فعلم أن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، إنما يقولها استجابة لدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم-، و يلزم معها أن يشهد أن محمداً رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال النووي: « وَيُحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ عَلَى قَوْلِ الشَّهَادَتَيْنِ وَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى لِارْتِبَاطِهِمَا وَشُهْرَتِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ » [14].
قال القسطلاني: « (حتى يقولوا لا الله إلاّ الله) أي مع محمد رسول الله، و اكتفى بالأولى لاستلزامها الثانية عند التحقيق أو أنها شعار للمجموع كما في قرأت الحمد أي كل السورة » [15].
قال بدر العيني: « فَإِن قلت: جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا). وَجَاء عَن ابْن عمر: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ)، وَجَاء عَن أنس الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، فَمَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث؟ قلت: إِنَّمَا اخْتلفت هَذِه الْأَلْفَاظ فزادت و نقصت لاخْتِلَاف الْأَحْوَال و الأوقات الَّتِي وَقعت هَذِه الْأَقْوَال فِيهَا، وَكَانَت أُمُور الشَّرِيعَة تشرع شَيْئا فَشَيْئًا فَخرج كل قَول فِيهَا على شَرط الْمَفْرُوض فِي حِينه، فَصَارَ كل مِنْهَا فِي زَمَانه شرطا لحقن الدَّم وَحُرْمَة المَال، وَ لَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَات وَ لَا اخْتِلَاف »[16].
قال ابن الجوزي: فَإِن قيل: قد علق ترك الْقِتَال فِي مُسْند عمر بن الْخطاب بالْقَوْل، وعلقه هَاهُنَا بأَشْيَاء مَعَ القَوْل فَالْجَوَاب: أَن حَدِيث عمر كَانَ فِي مبدأ الْإِسْلَام، وَحَدِيث ابْن عمر وَأنس متأخران بعد نزُول الْفَرَائِض[17].


وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وأن محمداً رسول الله) و لم يقل: (وأني رسول الله) كأنه يتجرد من نفسه، و من شخصه لإبعاد حظ نفسه من ذلك؛ تواضعا منه و أنه عبد مثل باقي الناس، و يتساوى معهم في العبودية، و إن كان أعلى منهم مقاما، و لتفريق بين محمد - صلى الله عليه وسلم – كرسول ، و محمد - صلى الله عليه وسلم – كعبد من عبد الله، و كأنه يعلن عن إيمانه برسالته و بوحي الله الذي أنزل عليه.
و عندما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم – بقطع يد امرأة مخزومية سرقت، وتشفع لها أسامة حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن حبه تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: « أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ »، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ العَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا [18].
و قال النبي - صلى الله عليه وسلم –: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ)، و لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم – (لو أن فاطمة بنتي) لبيان المساواة بين الناس ووجوب العقاب على جميع من يخطئ فلا فرق بين ابن غني و ابن فقير، و لا فرق بين أبيض و أسود، و لا فرق بين قريب و بعيد، و أنه يجب علينا إتباع حكم الله حتى و لو على أحب الناس إلينا، و أن الحق يطبق على الجميع و الناس سواسية، و هذا من تمام العدل و المساواة بين الناس.
و بخصوص هل يشترط التلفظ بلفظ أشهد لقبول الشهادة أم لا؟ قال ابن القيم: « فَمَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَأَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ (الأنعام الآية 150) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُون َ (الزخرف الآية 19).
فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ شَهَادَةً، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُؤَدُّوهَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: « عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ » وَشَهَادَةُ الزُّورِ هِيَ قَوْلُ الزُّورِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (الحج الآية 30)، وَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ» فَسَمَّى قَوْلَ الزُّورِ شَهَادَةً، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى إِقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ (النساء الآية 135)
فَشَهَادَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ: هِيَ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ الْأَسْلَمِيِّ: « فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ رَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-»، وَ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (الأنعام الآية 130).
و َهَذَا - وَأَضْعَافُهُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ و َغَيْرِهِ : لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، و َأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ »[19].

[1]- الأصول من علم الأصول لابن عثيمين ص 27

[2]- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 3/38


[3]- تفسير الشعراوي 8/4776

[4]- المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية 2/7

[5] - عمدة القاري شرح صحيح البخاري 14/75

[6] - شمس العلوم ودواء كلام العرب لنشوان بن سعيد الحميرى اليمني 6/3570

[7] - لسان العرب لابن منظور 3/239

[8]- المغرب في ترتيب المعرب لبرهان الدين الخوارزمي ص 259

[9]- معجم لغة الفقهاء لمحمد رواس قلعجي ص 430

[10]- حاشية (الأصول الثلاثة لمحمد بن عبد الوهاب) لعبد الرحمن النجدي ص 77

[11] - التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص 73


[12]- أصول الدين الإسلامي مع قواعده الأربع ص 13


[13]- الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار 3/752

[14]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/149

[15]- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 1/411

[16]- عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/127

[17]-كشف المشكل من حديث الصحيحين 2/515

[18] - رواه البخاري في صحيحه 5/151 حديث رقم 4304 ،و رواه مسلم في صحيحه 3/1315 حديث رقم 1688

[19] - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين3/420
__________________
طبيب تخدير و عناية مركزة
قليل التواجد بالمنتدى
الدكتور ربيع أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2013, 01:25 PM   #4
الدكتور ربيع أحمد
مشرف
Allteb
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 658
افتراضي رد: الدرر والفوائد من حديث: " أمرت ان أقاتل الناس.." والرد على المغرضين والزائغين

هل الحديث يدعو لإجبار الكفار على الدخول في الإسلام؟
و لقد كثر تشنيع بعض المغرضين على حديث: « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ » لزعمهم أن هذا الحديث يبين أن المسلمين أجبروا غيرهم على الدخول في الإسلام و هذا لسوء قصدهم و جهلهم.
و التاريخ يثبت أن الإسلام انتشر بالدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة، فقد ابتداء الإسلام بفرد و هو النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، ومكث النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثلاثة عشر عامًافي مكَّة يدْعو إلى الإسلام بالحجَّة والموعظة الحسنة، وكان المسلمون في مكة قلة مستضعفين يتعرضون لأشد أنواع العذاب و التعذيب ليرجعوا عن دينهم و يعودوا للكفر فصبروا .
و يستحيل عقلا أن يجبر فرد واحد أحدا على الدخول في دين أعلنت القبيلة التي هو فيها محاربة من يدين به فكل من يدخل في هذا الدين و يعرفه المشركون كان يؤذى.
و عندما دخل النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – المدينة دخلها بلا قتال بل استقبله أهل المدينة بالفرح و السرور و رغم أن النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جاء المدينة مضطرا فقد أذاه المشركون و أذوا أصحابه رغم ذلك دخل كثير من أهل المدينة في الإسلام فأين الإجبار في دخول أهل المدينة الإسلام مع ما كان منهم من الفرح و السرور بقدوم النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ؟!!
و عندما فتح النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مكة كان شديد الحرص على دخولها دون قتال رغم عظم جيش المسلمين، وعندما مرت كتيبة الأنصار،و عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهِيَ أَقَلُّ الكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: «مَا قَالَ؟» قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ»[1].
و فتح مكة قد فتح الطريق أمام انتشار دعوة الإسلام في شبه الجزيرة العربية فتوالت الوفود على المدينة منذ العام التاسع من الهجرة معلنة إسلامها بلا قتال، وعندما ذهب النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لأداء الحج في العام العاشر من الهجرة، وقد مضى على فتح مكة عامان و بضعة أشهر كان الإسلام قد انتشر في أرجاء شبه الجزيرة العربية.
و قد شهد التاريخ الإسلامي أمراً عجيبا وهو دخول من غلب المسلمين - حين من الدهر- في دين الله أفواجاً كما حصل أيام الغزو التتري على بلاد المسلمين فقد أسلم كثير من التتار.
و الإسلام قد انتشر في بلاد لم يحدث فيها قتال بين المسلمين و الكافرين و لم يدخلها مجاهد مسلم شاهرا سيفه كدول أسيا و أفريقيا فمن دول أسيا الصين و إندونسيا و ماليزيا،و من دول أفريقيا الصومال وجيبوتي وتنزانيا وإرتيريا.
و قد انتشر الإسلام في هذه البلدان بأخلاق التجار المسلمين , فقد كانت تربط الجزيرة العربية بهذه البلدان تجارات كثيرة فرأى أهل هذه البلاد أن العرب قد تغيرت أخلاقهم من السوء إلى الحسن من الكذب للصدق من الخيانة للأمانة وحسن المعاملة, وإيثار بعضهم على بعض, فتعجبوا لما حدث لهؤلاء التجار, وتساءلوا عن سر تغيرهم, فعلموا أنه الإسلام, فدخلوا فى دين الله أفواجاً.
و العقل يثبت فساد مقولة انتشار الإسلام بالسيف فلو كان المسلمون أجبروا غيرهم على الدخول في الإسلام و دخلوا الإسلام مكرهين فكيف يَثْبتوا عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهمُ؟!! فثباتهم عن الإسلام رغم زوال الإكراه عنهم لدليل على أنهم دخلوه برضاهم لا مغصوبين.
و من المعلوم أن البلاد التي فتحها الإسلام رجع بعض هذه البلاد للكفار مرة أخرى ،و مع ذلك من أسلم لم يرجع للكفر مرة أخرى بل حارب الكفار و كان في صفوف المسلمين، و هذا دليل على أنهم دخلوه برضاهم لا مغصوبين.
و يكفي في رد فرية انتشار الإسلام بالسيف أن الإسلام رغم ما حل بأهله من ضعف و هوان على الناس في القرون الأخيرة نجده أكثر الديانات انتشاراً أو على الأقل من أكثر الديانات انتشاراً ، و لا يوجد قتال اليوم بين المسلمين و الكافرين.
و من الأدلة على أن المسلمين لم يجبروا أحداً على الدخول في الإسلام هو وجود غير المسلمين ببلاد الإسلام إلى عصرنا هذا , وإلا لكان أجدادهم قُتِلوا منذ زمن الفتوحات الإسلامية فلم يبقَ نسلهم.
و الحديث الذي يشنعون عليه ليس فيه دليل على ما ادعوه فالحديث فيه أقاتل و ليس أقتل، و القتال يستلزم وجود مقاتلة من طرفين أي وجود جيشين متقاتلين و قبل الحرب و القتال لابد من إنذار و إبلاغ الدعوة بالبينة و الإقناع و الموعظة الحسنة.
و كلمة أقاتل أخرجت من ليس أهلا للقتال في العادة كالمرأة و الصبي فالكلام منصب على الجيش و أمراء الجيش الذين يحاربون، و ليس الشعب الذي لا يحارب و لا يقاتل، و من لا يقاتل أكثر بكثير ممن يقاتل و غير المحاربين أكثر بكثير من المحاربين.
وحتى لو سلمنا جدلا أن كلمة أقاتل لم تخرج من ليس أهلا للقتال فقد جاءت نصوص شرعية أخرى تفيد عدم مقاتلة من ليس أهلا للقتال فضيقت القتال إلى مجموعة من الكفار لا كل الكفار بل و أتت نصوص تبين أن الكفار الذين يقاتلون يستثنى منهم أهل الكتاب و المجوس إذ دفعوا الجزية وهم يمثلون نسبة كبيرة من الكفار فضيقت الشريعة بهذا عدد الكفار الذين يقاتلون.
و انظر إلى دقة لفظ الحديث فاستعمال أقاتل الناس أي أقاتل من يقاتل من الكفار ، ولم يستعمل كلمة أقتل من يقاتل من الكفار ، وهذا فيه أن المقصود هو الردع و الإذعان و كسر الشوكة، وليس الإبادة و الاستئصال؛ لأن القتال أضيق من القتل، و لا ينكر هذا إلا جاهل.
و انظر إلى دقة لفظ الحديث فقد قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (حتى يشهدوا) و لم يقل: ( حتى يقولوا ) فالشهادة لا تكون إلا بعد علم والعلم لا يكون إلا بعد سماع الدعوة باهتمام فكأن حتى يشهدوا تفضح سوء نية الكفار المقاتلين في أنهم لا يريدون العلم بالإسلام أصلا، و لا يريدون معرفة الدعوة و رفضوا الدعوة إلى الإسلام و هذا دليل على معاندتهم و كبرهم ، و الإنسان عدو ما يجهله فحتما سيقاتلون المسلمين إن لم يقاتلوهم.
وهذا يدل أن الغاية من قتال الكفار ليس إجبارهم على الدخول في الإسلام بل كي يرتدعوا عن الكفر و حجب دعوة الإسلام ولردِّ الظلم والعدوان،و رفع الظلم و العدوان وإقامة معالم الحق، ونشر عبادة الله في الأرض و لتأمين الدولة الإسلامية من الأعداء الذين يتربصون بها الدوائر وتأمين المعتنقين للإسلام ممن يتعرض لهم بالأذى والفتنة حتى يعيش الجميع في أمان و سلام، و يكون الدين الظاهر الذي يحكم الأرض هو الإسلام،و يجد غير المسلم من المسلمين عند الاختلاط رحمة الإسلام و عدل الإسلام وجمال الإسلام و وحلاوة شعائر الإسلام فيرق قلبه و ربما يسلم.
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم فِى التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ وَيَنهَاهُم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَالأَغلاَلَ الَّتِى كَانَت عَلَيهِم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية 157 )
و قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (سورة الأنفال الآية 39 )
و قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدوَانَ إِلاَّ عَلَىٰ الظَّالِمِينَ (سورة البقرة الآية 193 )


هل هناك تعارض بين الحديث و قوله - سبحانه تعالى -: ﴿ لاَ إِكرَاهَ فِى الدِّينِ ﴾؟
توهم بعض الناس التعارض بين حديث : « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ »، و بين قوله - سبحانه تعالى - :﴿ لاَ إِكرَاهَ في الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَىِّ فَمَن يَكفُر بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِن بِاللّهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (سورة البقرة الآية 256 و لا تعارض أصلا .
و فرق بين قتال الكفار الطغاة الظالمين المحاربين الذين استعبدوا الناس و استغلوهم أسوأ استغلال و حجبوا نشر الإسلام في بلادهم و رفضوا الدعوة إلى الإسلام في بلادهم و رفضوا أن يسمعوا دعوة الإسلام و بين الإكراه على الدخول في الإسلام فالقتال للكفار المحاربين أما غير المحاربين فلا قتال بل بر و عدل و قسط.
و يزيد هذا الفرق - الفرق بين قتال الكفار المحاربين و بين البر و القسط والعدل مع غير المحاربين - وضوحا قوله تعالى: ﴿لا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِى الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُم أَن تَبَرُّوهُم وَتُقسِطُوا إِلَيهِم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ إِنَّمَا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِى الدِّينِ وَأَخرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُم وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخرَاجِكُم أَن تَوَلَّوهُم وَمَن يَتَوَلَّهُم فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (سورة الممتحنة رقم الآية 8-9 )
و ليس هناك شاهد من التاريخ يثبت أن المسلمين حبسوا شخصا أو جلدوه أو قتلوه؛ لأنه لميسلم أو قالوا له إما أن تسلم أو تقطع رقبتك، و لو وجد لنقل إلينا لتوافر الدواعي على نقله.

ووجود كفار في بلاد المسلمين حتى اليوم لخير دليل على عدم إجبار المسلمين أحد على الدخول فيه و على عدم قتل المسلمين لمن لم يدخل في الإسلام.





قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) فيه رد على أهل الكلام القائلين أن أول واجب على المكلف هو النظر و الاستدلال
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) فيه أن توحيد العبادة أول دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم،و السلف كلهم متفقون على أن أول ما يجب على الإنسان لدخوله الإسلام الشهادتان، وأن التوحيد أول الأمر ، و ليس النظر و الاستدلال كما يقول أهل الكلام فقولهم باطل يخالف الشرع، و يخالف هذا الحديث.
قال ابن قدامة في بيان خطأ ما قاله أهل الكلام و ما يحمله من مصادمة للنصوص الشرعية: « فِيهِ تخطئة رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمر أحدا من أمته بِعلم الْكَلَام وَالنَّظَر فِي أَدِلَّة الْعُقُول ليعرف بِهِ صِحَة معتقده بل قنع مِنْهُم بِمُجَرَّد الْإِسْلَام.
وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله عز وَجل) أفترى بِكَوْن النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- مخطئا فِي قبُول ذَلِك مِنْهُم وقناعته بِمُجَرَّد إسْلَامهمْ من أَن يتعلموا علم الْكَلَام وينظروا فِي الْعرض والجوهر والجسم وَيكون المتكلمون هم المصيبون فِي خطأ من لم يتَعَلَّم ذَلِك وَلم ينظر فِيهِ فَإِن كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَدعُوا لأَنْفُسِهِمْ شَرِيعَة ودينا غير دين الْإِسْلَام ويدعوا دين مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم-»[2].
قال القرطبي: «فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لَجَازَ لِلْكُفَّارِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلُنَا، لِأَنَّ مِنْ دِينِكُمْ أَنَّ الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فَأَخِّرُونَا حَتَّى نَنْظُرَ وَنَسْتَدِلَّ »[3].
و معرفة الله أو الاستدلال على معرفته ليس كافياً لاعتبار الإِنسان مسلماً؛ لأن فرعون كان عارفاً بربه، و أكثر مشركي العرب كانوا يعرفون أن الله هو خالق الكون وأنه رب السماوات والأرض ومع ذلك لم تغن عنهم معرفتهم تلك شيئاً .




قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) فيه رد على من يقصرون الجهاد على جهاد الدفع.
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) فيه رد على من يقصرون الجهاد على جهاد الدفع فواضح من الحديث أن المراد بالقتال قتال الطلب لأجل تبليغ الدين لمن منع تبليغه و رفض تبليغه، و ليس قتال الدفع، و لو كان المراد قتال الدفع لكان قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ إن قاتلونا أو إذا قاتلونا).
و ما أخرج الصحابة بعد موت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى بلاد العالم إلا قتال الطلب، و الجهاد في الإسلام شرع على مراحل في بداية الدعوة كان المسلمون مأمورين بالصفح و الإعراض عن المشركين، ثم جاءت الرخصة في القتال، ثم أذن في قتال الدفع، ثم شرع الجهاد بدءاً و هجوماً – أي طلبا – و دفاعاً.
قال السرخسي: « أُمِرْنَا بِقَتْلِ الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِمْ قَالَ اللَّهُ -تعالى-:﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ (البقرة من الآية 193) يَعْنِي فِتْنَةَ الْكُفْرِ، وَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» »[4].
و قال على القاري: « وَصَرِيحُ قَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الصَّحِيحَيْنِ: « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » الْحَدِيثَ تُوجِبُ ابْتِدَاءَهُمْ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ » [5] .
و قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: « وَ قِتَالُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا وَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا وَ لَمْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَاجِبٌ و َإِنْ لَمْ يَبْدَؤُونَا ; لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لَهُ لَمْ تُقَيِّدِ الْوُجُوبَ بِبَدْئِهِمْ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ »[6].
و قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: « المعروف أن المشركين يقاتلون لأجل كفرهم، لا لأجل عدوانهم، من أدلته حديث: « أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله » (متفق عليه)، و لم يقل: نقاتل من قاتلنا، و لا من نخشى شرّه!! »[7].






قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) فيه نفي للجبر و الرد على الجبرية
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) دليل على نفي الجبر إذ كيف يقاتل الكفار على فعل شيء مجبورون عليه؟!!
و لو كان الكفار مجبرين على الكفر لكان قتال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –لهم ظلماً .
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) دليل على نفي الجبر فقد أضاف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –الشهادة لهم فدل على أن الكفار لهم فعلاً يوجه إليه الخطاب بإيجاده؛ و لو لم يكن للكفار فعل، و لهم القدرة على الفعل - النطق بالشهادتين و الدخول في الإسلام - لكان توجيه الخطاب إليهم بإيجاد هذا الفعل منهم من تكليف ما لا يطاق.
و الجبرية يرون أن الإنسان مجبر على عمله، و لا ينسب إليه الفعل إلا على سبيل المجاز كما يقال: أحرقت النار الخشب، و الأصل في الكلام الحقيقة ما لم يأت صارف، و لا يوجد صارف في أن إضافة الأفعال للكفار على سبيل المجاز .
و لولا قدرة الكفار على النطق بالشهادتين و الدخول في الإسلام لما كان قتال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – للكفار معنى فالقول بالجبر يبطل الأمر بقتال الكفار.





قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) فيه نفي للإرجاء و الرد على المرجئة
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) دليل على بطلان قول المرجئة أن الإيمان هو التصديق فقط أو الاعتقاد بالقلب و حسب أو النطق باللسان و حسب فلو كان الإيمان هو التصديق أو الاعتقاد بالقلب وحسب لكان قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يَصدقوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أو كان قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: (حَتَّى يعتقدوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) .
و لو كَانَ الْإِيمَانُ يَصِحُّ بَالاعتقاد فقط لَجَازَ لِلْكُفَّارِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إننا مسلمون مثلكم لأننا نعتقد الإسلام؛ لِأَنَّ مِنْ دِينِكُمْ أَنَّ الإيمان هو التصديق و الاعتقاد.
و لو كَانَ الْإِيمَانُ يَصِحُّ بَالاعتقاد فقط لكان كفار قريش كأبي جهل و أبي لهب مؤمنين؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على حق و يعرفون بقلوبهم صحة ما جاء به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –، و لكن أبوا أن ينطقوا بلا إله إلا الله فلم يكن التصديق بالقلوب كافيا كما تقوله المرجئة قال الله - سبحانه و تعالى - : ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (الأنعام الآية 33 ).
و لو كان مجرد النطق بالشهادتين كاف لما كان الكفار والمشركون الذين قاتلهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –متوقفين عن النطق بهما، ويبقوا على دينهم، ولكنهم كانوا يعلمون المقصود بالشهادتين فليس مجرد العلم فقط بل العمل بما يعلمون.


[1]- رواه البخاري في صحيحه 5/146 حديث رقم 4280بَابٌ: أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ يَوْمَ الفَتْحِ؟


[2]- تحريم النظر في كتب الكلام ص 48

[3]- تفسير القرطبي 7/331

[4]- المبسوط 26/132

[5]- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 6/2475

[6]- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 6/2475

[7]- فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 6/ 198
__________________
طبيب تخدير و عناية مركزة
قليل التواجد بالمنتدى
الدكتور ربيع أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2013, 01:27 PM   #5
الدكتور ربيع أحمد
مشرف
Allteb
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 658
افتراضي رد: الدرر والفوائد من حديث: " أمرت ان أقاتل الناس.." والرد على المغرضين والزائغين



قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) بعد الشهادتين
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) بعد الشهادتين؛ لأن الشهادة علم و إقامة الصلاة و إتاء الزكاة عمل، و العلم يكون قبل القول والعمل.
و أيضا ذكر الأعمال بعد الشهادتين من باب التدرج بالانتقال بالمدعو من الأسهل إلى الأصعب ومن الدعوة العلمية إلى الدعوة العملية التطبيقية، ومن الإيمان إلى الأعمال، ومن التوحيد إلى العبادات، و التدرج من الأهم إلى المهم فالتوحيد أعظم العبادة، فكان لا بد من تقديمه على كل عبادة؛ لأنه لا تستقيم عبادة إلا به.
و هذا من الحكمة في الدعوة؛ لأن الإيمان إذا استقر في القلوب تشوقت النفوس لعبادة الله؛ لذلك بعد التوحيد و الإيمان و الشهادتين يؤمر الناس بأداء باقي أركان الإسلام و باقي أوامر الإسلام، واحداً بعد الآخر حتى يزداد الإيمان فإذا كان الإيمان هو القاعدة، فإن العبادات هي مثبتاتها، فالعبادات تثبت الإيمان وتزيده و نقصانها يضيع الإيمان و ينقصه.
و ذكر الأعمال بعد الشهادتين؛ لأن العبادات متفرعة عن التوحيد، فالعبادات كلها لا تقبل إلا مع صحة التوحيد، فلو تعبد المشركون فصلوا وتصدقوا وحجوا وأنفقوا و غير ذلك، و هم لم يوحدوا الله بل يدعون غيره معه ما قُبلت منهم عباداتهم ولن تنفعهم.
و ذكر الأعمال بعد الشهادتين فيه إشارة أن الواجب أولاً قبل كل شيء أن يأتي بالشهادتين ليصحح معتقده و توحيده، ثم بعد ذلك يعمل بمقتضى الشهادتين إذ الأعمال متفرعة عن الشهادتين.


و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ) من إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، و في إقامة الصلاة قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِدَامَتُهَا وَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالثَّانِي إِتْمَامُهَا عَلَى وَجْهِهَا [1].
و قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ) و لم يقل: (ويؤدوا الصلاة)؛ لأن إقامة الصلاة من القيام، و القيام فيه عزيمة، و فيه ملازمة و مصابرة و قوة، و منه قوامة الرجال على النساء، و منه القوم تطلق على الرجال ولا تطلق على النساء، لوجود القوة والقوامة والإصلاح.
قال ابن حجر: « قَوْلُهُ (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أَيْ يُدَاوِمُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا بِشُرُوطِهَا مِنْ قَامَتِ السُّوقُ إِذَا نَفَقَتْ وَقَامَتِ الْحَرْبُ إِذَا اشْتَدَّ الْقِتَالُ أَوِ الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ الْأَدَاءُ تَعْبِيرًا عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ إِذِ الْقِيَامُ بَعْضُ أَرْكَانِهَا وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا لَا جِنْسُهَا »[2].
قال ابن عثيمين: « (وَيُقِيْمُوا الصَّلاةَ) أي يفعلوها قائمة و قويمة على ماجاءت به الشريعة و الصلاة هنا عامة، لكن المراد بها الخاص، وهي الصلوات الخمس، ولهذا لو تركوا النوافل فلا يقاتلون »[3].
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعْطُوا الزكاة المفروضة إلى مستحقيها بشُرُوطِهَا ومَقَادِيرِهَا.
قال ابن عثيمين: « (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يعطوها مستحقّها. والزكاة: هي النصيب المفروض في الأموال الزكوية. ففي الذهب مثلاً و الفضة و عروض التجارة: ربع العشر، أي واحد من أربعين و فيما يخرج من الأرض مما فيه الزكاة : نصف العشر إذا كان يسقى بمؤونة، و العشر كاملاً إذا كان يسقى بلا مؤونة، و في الماشية: كما هو في السُّنة »[4] .
و اقتران الصلاة بالزكاة لوجود علاقة قوية بينهما، فالزكاة تضحية بجزء من المال، و المال في الحقيقة نتيجة العمل، و العمل فرع الوقت، أما الصلاة فهي تضحية بالوقت نفسه فالصلاة زكاة الوقت، و حق الله الراتب في كل يوم، فالمؤمن يقتطع من وقته الذي هو رأس مال الحياة فيجعله خالصاً لله، ويقتطع جزءاً من ماله فيجعله خالصاً لله و الصلاة و الزكاة هما أصل و رأس العبادات البدنية والمالية، فلذلك تسمى الصلاة عماد الدين، و الزكاة قنطرة الإسلام، و إنما اقتصر عليهما؛ لأن من أتى بهما يسهل عليه أن يأتي بغيرهما، فإذا سهل عليه إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة سهل عليه أن يصوم ويحج و يأتي بالأفعال الأخرى من باب أولى، فإنه ذكر ما هو أهم و ما هو أولى من غيره، و أن من أتى به فإنه يأتي بغيره من باب أولى.
قال القسطلاني: « و اقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنية والمالية، و من ثم كانت الصلاة عماد الدين و الزكاة قنطرة الإسلام »[5].


و منطوق حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، و يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) هو نفس مدلول قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم (سورة التوبة من الآية 5) و قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾( سورة التوبة من الآية 11) فمن لم يأت بهذه الأركان الثلاثة فلا أخوة له في الدين ولا يخلى سبيله، بل يقاتل.
و إن قيل لما اكتفى بذكر القتال على النطق بالشهادتين و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة فالجواب قال المراغي: « إن اشتراط الأشياء الثلاثة للكف عن قتال المشركين للتحقق من دخولهم فى جماعة المسلمين بالفعل، والتزامهم شرائع الإسلام وإقامة شعائره، إذ مقتضى الشهادة الأولى ترك عبادة غير الله، ومقتضى الشهادة الثانية طاعة الرسول فيما يبلغه عن الله تعالى، و اكتفى من أركان الإسلام بالصلاة التي تجب فى اليوم و الليلة خمس مرات؛ لأنها الرابطة الدينية الروحية الاجتماعية بين المسلمين، و بالزكاة؛ لأنها الرابطة المالية الاجتماعية، فمن أقامهما كان أجدر بإقامة غيرهما » [6].
قال ابن حجر: « قَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الْأَرْكَانِ لَمْ يَخْلُ الشَّارِعُ مِنْهُ بِشَيْء كَحَدِيث بن عُمَرَ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ فَإِذَا كَانَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ اكْتُفِيَ بِالْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الشَّهَادَةِ وَ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ لَوْ كَانَ بَعْدَ وُجُودِ فَرْضِ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ بَرَاءَةٌ مَعَ أَنَّ نُزُولَهَا بعد فرض الصَّوْم وَ الْحج قطعا.


وَ حَدِيث بن عُمَرَ أَيْضًا أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ قَالَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ اعْتِقَادِيٌّ وَهُوَ الشَّهَادَةُ وَبَدَنِيٌّ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَمَالِيٌّ وَهُوَ الزَّكَاةُ اقْتُصِرَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا لِتَفَرُّعِ الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ عَلَيْهَا فَإِنَّ الصَّوْمَ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ وَالْحَجَّ بَدَنِيٌّ مَالِيٌّ وَأَيْضًا فَكَلِمَةُ الْإِسْلَام هِيَ الأَصْل وَهِيَ شَاقَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَالصَّلَوَاتُ شَاقَّةٌ لِتَكَرُّرِهَا وَالزَّكَاةُ شَاقَّةٌ لِمَا فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ مِنْ حُبِّ الْمَالِ فَإِذَا أَذْعَنَ الْمَرْءُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَانَ مَا سِوَاهَا أَسْهَلَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَالله أعلم ».[7]
قال بدر الدين العيني: « وَأما تَخْصِيص هَذِه الثَّلَاثَة من بَين سَائِر الْأَركان و واجبات الدّين فلكونها أظهرها وَ أَعْظَمهَا وأسرعها علما بهَا، إِذْ فِي الْيَوْم الأول من الملاقاة مَعَ الشَّخْص يعلم صلَاته وَ طَعَامه، غَالِبا، بِخِلَاف نَحْو الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يظْهر الامتياز بَيْننَا وَ بينهمْ بِهِ وَ نَحْو الْحَج فَإِنَّهُ قد يتَأَخَّر إِلَى شهور و سنين، وَقد لَا يجب عَلَيْهِ أصلا »[8].
قال القسطلاني: « فإن قلت: لم خصّ الثلاثة بالذكر من بين الأركان وواجبات الدين أُجيب بأنها أظهر وأعظم وأسرع علمًا لأن في اليوم تعرف صلاة الشخص وطعامه غالبًا بخلاف الصوم والحج كما لا يخفى »[9].
والخلاصة أن سبب عدم التنصيص على الصوم وعلى الحج؛ لأن الصوم والحج عملان خفيان لا يطلع عليهما إلا الله - سبحانه و تعالى - وليسا بظاهرين بخلاف الشهادتين و الصلاة و الزكاة فالشهادة تسمع، و الصلاة ترى، و الزكاة يؤتيها فيقبضها المسلمين المستحقين، أما الصوم فأمر خفي وأما الحج فعلى من استطاع إليه سبيلاً، والاستطاعة أمر خفي.
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) يَدُلُّ عَلى أَنَّ تارِكَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ يُقَاتَلُ كَمَا يُقَاتَلُتَارِكُ الشَّهَادَة ِ، و أنه يجب قِتالِ الجماعةِ المُمْتَنِعِين مِن إقامِ الصَّلاةِ،وإيتاءِ الزَّكاةِ .
قال الخطابي: « و في هذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالصلاة و الزكاة و سائر العبادات و ذلك لأنهم إذا كانوا مقاتلين على الصلاة و الزكاة فقد عقل أنهم مخاطبون بهما » [10].
و قال ابن الجوزي: « وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْكفَّار مخاطبون بالفروع، لأَنهم يُقَاتلُون على ذَلِك »[11].
و معنى كلام الأئمة أن الْكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة أن التكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين و الكفار لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ لقـول الله - سبحانه و تعالى -: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه﴾ (سورة التوبة من الآية 54 ) فالكافر مطالب من حيث الجملة بهذه الأمور كلها، ولكن العبادة لا تصح منه دون الإســلام، فالإسلام شرط لصحة الصلاة والصيام والزكاة والحج:لأن شرط قبول العمل الصالح عند الله - سبحانه وتعالى - هو الإسلام.
و كون الْكفَّار مخاطبين بفروع الشريعة فلابد عليهم أن يسلموا كي يقوموا بفعل الفروع فهم لا يخاطبون بفعل الفروع أي لا يقال لهم: افعلوا كذا صلوا كذا صوموا كذا زكوا كذا بل نأمرهم أولاً بالإسلام و مقصد العلماء أنهم يعاقبون في الآخرة علي عدم فعل الفروع إذا ماتوا على الكفر بدلالة النصوص الدالة على ذلك .
ومن قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة قال: إن الكفار يعاقبون عقوبة زيادة عن عقوبة الكفر في الآخرة، و من قال بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، أراد أن أحكام الكفار في الدنيا بأنهم لا يطالبون بقضاء ما فاتهم من العباداتترغيباً لهم في الإسلام، ولا تصح منهم العبادة إذ فعلوها و هم غير مسلمين، و هذا لا يمنع أن يعاقبوا في الآخرة على ترك الفروع.




قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ )
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ) أَيْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِهْدَارُ دِمَائِهِمْ وَاسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ مِنِ اسْتِيفَاءِ قَصَاصِ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، إِذَا قُتِلَ أَوْ قُطِعَ، وَمِنْ أَخْذِ مَالٍ إِذَا غُصِبَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَقَتْلٍ لِنَحْوِ زِنَا مُحْصَنٍ، وَ قَطْعٍ لِنَحْوِ سَرِقَةٍ، وَتَغْرِيمِ مَالٍ لِنَحْوِ إِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ الْمُحْتَرَمِ[12].
و ذلك في قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ( فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) عائد على الثلاثة مذكورات: الشهادتين و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة فمجموع ذلك إذا فعلوه (عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) و عصموا بمعنى: حفظوا، و العصمة الحفظ، والعصمة من الخطأ، والعصمة من القتل و هنا المقصود العصمة من القتل و عصمة مالهم.
و قال ابن حجر: « قَوْلُهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ عَمَّا بَعْضُهُ قَوْلٌ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ وَإِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ إِذِ الْقَوْلُ فِعْلُ اللِّسَانِ قَوْلُهُ عَصَمُوا أَيْ مَنَعُوا وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ مِنَ الْعِصَامِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ لِيَمْنَعَ سَيَلَانَ الْمَاءِ »[13].
و إطلاق الفعل على القول لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ( فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) مع أن في جملة هذه الأشياء الشهادتين، وهما قول، ووجه ذلك: أن القول حركة اللسان، وحركة اللسان فعل، ويصح إطلاق الفعل على القول بأن يكون القول في جملة أفعال، كما في الحديث، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الأفعال بلا شك
و قال القسطلاني: « وأطلق على القول فعلاً؛ لأنه فعل اللسان أو هو من باب تغليب الاثنين على الواحد »[14].
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (عصموا مِنِّي دِمَاءهَم وَأَمْوَالَهُم) أي فلا يحل أن أقاتلهم و استبيح دماءهم، ولا أن أغنم أموالهم؛ لأنهم دخلوا في الإسلام[15] ، و في هذا دليل على أن الكفار إذا قوتلوا فأموالهم حلال لنا كما أننا نستبيح دماءهم فنستبيح أموالهم من باب أولى[16]،و هذا يدل بالمخالفة أن المسلم معصوم الدم و المال.
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (مني) أي منه وحده أو من يقوم مقامه؛ لأن كل أمر يرجع إلي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –، فمن قُتل قتل بأمره، ومن عُصم عصم بأمره، يوجه السرايا ويتوجه بنفسه بالجيوش، أو يكفها ويوقفها ويمنعها لأنه المسئول عن الأمة و المتكلم باسمها.
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ) مَعْنَاهُ أَنهم إِذا قالوها وامتنعوا من الْقيام بِحَقِّ الإسلام وَهُوَ أَدَاء مَا يقْتَضِيه الإسلام من التَّوْحِيد و الابتعاد عَن الشّرك وَالْقِيَام بأركان الْإِسْلَام أَنَّهَا لَا تعصم أَمْوَالهم و َلَا دِمَاءَهُمْ بل يقتلُون، فمن حق الإسلام أداء الواجبات، وترك المحرمات، ومن حق الإسلام: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن قال: لا إله إلا الله، وامتنع عن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الحج، فإنه يقاتل حتى يؤدي حقوق لا إله إلا الله و حق الإسلام.




قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ )
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أي فيما يسرونه ويخفونه فأوكل سرائرهم إلى الله، و التقدير: إذا قالوا الشهادتين نفاقاً يتعوذون بها من القتل فحسابهم على الله - سبحانه و تعالى - فيما يسرونه ويخفونه في نطقهم بالشهادتين، أكانت عن يقين واعتقاد واستسلام، أم عن نفاق.
و علينا ألا نتسرع في الحكم بالكفر على مسلم فلنا الظاهر و الله يتولى السرائر، ولا ندخل في سرائر الناس، ولا نتهمهم ونقول: هذا مرائي، هذا منافق، هذا كافر فأحكام الدنيا تجري على الظواهر و حرمة الإسلام لا تثبت إلا بأمور ظاهرة غير خفية،و الأحكام تناط بالمظان والظواهر، لا على القطع و اطلاع السرائر .
وقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –يعلم المنافقين في زمانه بأسمائهم وأعيانهم و ذواتهم، و لم يقتلهم وهم أكفر الخلق؛ حتى لا يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، و كون النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل من المنافقين ظواهرهم، و لا يؤاخذهم في الأحكام الدنيوية بما استقر في قلوبهم من تكذيب وريب، كي يشرع للناس أن العبرة بالظاهر الواضح لا الباطن المستتر، وولي أمر المسلمين له ظواهر أحوال الناس، ولا يحق لأحد أن ينقب ليكشف عما يبطنون أو يخفون.
و هنا حكمة أخرى أن استتار المنافق فيه تقليل لسواد الكفر،و هذا أولى من إظهار النفاق و تكثيره و إن كان كلاهما شر ، و ذاك المنافق قد يختلط بالمسلمين،و يسمع خطبة من خطب الجمعة أو مجلس وعظي فيتأثر فيرق قلبه فيسلم .
و عدم إظهار النفاق - و إن كان النفاق لا يجوز - علامة على قوة الإسلام أي التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة و عدم مخالفتها علامة على قوة الإسلاملخوفهم من سطوة الإسلام والمسلمين عليهم لو أظهروا كفرهم ونفاقهم، ولذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم – و أصحابه التزم المنافقين بأحكام الإسلام ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لأن قوة الإسلام عند النبي - صلى الله عليه وسلم – والصحابة أقوى منها فيمن بعدهم.
وإذا قوي المسلمون التزم المنافقون بأحكام الإسلام في الظاهر، وإذا ضعف المسلمون ضعف التزام المنافقين بأحكام الإسلام، وصاروا يظهرون حقيقتهم، فالمنافقون يتحينون الفرص؛ ليظهروا ما يخفون من الكفر والنفاق. فإن كان الإسلام قوياً، و كان المسلمون أقوياء يقيمون الحدود، فحينئذ يلتزم المنافقون بأحكام الإسلام؛ خوفاً من أن تقطع رقابهم، وأن تؤخذ أموالهم..
و المنافقون مسلمون في الظاهر، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولا سبيل لأحد عليهم حتى وإن عرف نفاقهم، ما لم يتحيزوا ويتميزوا وتعظم فتنتهم ويطر شررهم وشرهم، ويحاربوا الإسلام؛ فحينئذ يجب على الإمام أن يحاربهم.
قال ابن تيمية: « وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الظَّاهِرِ يَجْرِي عَلَى الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ اسْتَسْلَمُوا ظَاهِرًا؛ وَأَتْوَا بِمَا أَتَوْا بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ بِالصَّلَاةِ الظَّاهِرَةِ وَالزَّكَاةِ الظَّاهِرَةِ وَالْحَجِّ الظَّاهِرِ وَالْجِهَادِ الظَّاهِرِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ يُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ »[17].
و قال ابن حجر: « قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْتَقِدُ خِلَافَ ذَلِكَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُ بِالْوَحْيِ عَلَى كُلِّ حُكُومَةٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُشَرِّعًا كَانَ يَحْكُمُ بِمَا شَرَعَ لِلْمُكَلَّفِينَ وَيَعْتَمِدُهُ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ »[18].
قال بدر العيني: « قَوْله: (وحسابه على الله)، أَي: فِيمَا يسر بِهِ من الْكفْر والمعاصي، وَ الْمعْنَى: إِنَّا نحكم عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، ونؤاخذه بحقوقه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر حَاله، وَالله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يتَوَلَّى حسابه فيثيب المخلص و يعاقب الْمُنَافِق »[19].
قال ابن حجر: « قَوْلُهُ: (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أَيْ فِي أَمْرِ سَرَائِرِهِمْ وَلَفْظَةُ عَلَى مُشْعِرَةٌ بِالْإِيجَابِ وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ أَيْ هُوَ كَالْوَاجِبِ عَلَى اللَّهِ فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُكْمِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ وَالِاكْتِفَاءُ فِي قَبُولِ الْإِيمَانِ بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ تَعَلُّمَ الْأَدِلَّةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلشَّرَائِعِ »[20]
قال على القاري: « (وَحِسَابُهُمْ) أَيْ فِيمَا يَسْتُرُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ ذَلِكَ (عَلَى اللَّهِ)، وَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جَزَاءِ الشَّرْطِ، وَ الْمَعْنَى أَنَّا نَحْكُمُ بِظَاهِرِ الْحَالِ و َالْإِيمَانِ الْقَوْلِي ، وَ نَرْفَعُ عَنْهُمْ مَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَ نُؤَاخِذُهُمْ بِحُقُوقِ الْإِسْلَامِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ حَالِهِمْ، لَا أَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ، وَ اللَّهُ يَتَوَلَّى حِسَابَهُمْ، فَيُثِيبُ الْمُخْلِصَ، وَيُعَاقِبُ الْمُنَافِقَ، وَيُجَازِي الْمُصِرَّ بِفِسْقِهِ، أَوْ يَعْفُو عَنْهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، وَهُوَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى كُفْرٍ كَانَ يُخْفِيهِ، فَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ وَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، لَكِنَّهُ إِنْ صَدَقَ فِي تَوْبَتِهِ نَفَعَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ مِنْهُ مَرَّةً فَقَطْ.
وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ السَّيْفِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً لِلضَّلَالِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِتَالَ وَالْعِصْمَةَ إِنَّمَا هُمَا فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْأُخْرَوِيَّةُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَكَمِّيَّتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَهُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى اللَّهِ -تعالى- لَا دَخْلَ لَنَا فِيهِ »[21].
قال ابن رجب: « يَعْنِي أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ تَعْصِمُ دَمَ صَاحِبِهَا وَمَالَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَا يُبِيحُ دَمَهُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلّ - َ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا، أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ »[22].
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) يدل أن من أتى بالشهادتين والتزم أحكام الإِسلام جرت عليه أحكام المسلمين سواء كان في الباطن كذلك أم لا؛ لأن أحكام الشريعة إنما تجري على الظواهر .
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) يفيد أن الله هو الذي يتولى محاسبة الناس على أعمالهم، أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فليس عليه إلا البلاغ ، و كذلك ليس على من ورث النبي -صلى الله عليه وسلم- من العلماء إلا البلاغ فلا تحزن أيها الداعي إلى الله إذا لم يقبل الناس دعوتك، فإذا أدّيت ما يجب عليك فقد برئت الذمة والحساب على الله تعالى.
و قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) دليل على نفي الجبر إذا لو لم تكن الأعمال منهم على الحقيقة لما كان لحسابهم عليها معنى، و لكان محاسبتهم عليها ظلما.





الفوائد من مراجعة عمر لأبي بكر - رضي الله عنهما- بشأن قتال مانعي الزكاة
هناك فوائد كثيرة من مراجعة عمر لأبي بكر - رضي الله عنهما - بشأن قتال مانعي الزكاة منها أن رغم حب عمر -رضي الله عنه – لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه – فهذا لم يمنع مراجعته له إي أن محبة الفقهاء بعضهم لبعض لم تمنع من محاورة بعضهم لبعض و مراجعتهم الدينية بعضهم لبعض؛ لأن الدين فوق كل شيء.
و قَدْ تَخْفَى السنة عَلَى بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا آحَادُهُمْ وَلِهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْآرَاءِ وَلَوْ قَوِيَتْ مَعَ وُجُودِ سُنَّةٍ تُخَالِفُهَا وَلَا يُقَالُ كَيْفَ خَفِيَ ذَا عَلَى فُلَانٍ فقد يُوجد عِنْد بعض أَصْحَاب الْعَالم مَا لَا يُوجد عِنْد خواصه وبطانته،و لا يعني كبر الإنسان في قدره, وفي علمه, وفي دينيه, أن يكون أعلم من غيره مطلقاً حتى لو قرر أن فلاناً أعلم من فلان، فهذا تفضيل جُمْلي, لا تفصيلي، لا تفصيلي, فقد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل ، و لهذا لا يُقال: أن العالم لا يُنكر عليه , و لا يُنصح.
قال النووي: « وَفِي اسْتِدْلَالِ أَبِي بَكْرٍ وَاعْتِرَاضِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْفَظَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما رواه بن عُمَرَ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ سَمِعُوا هَذِهِ الزِّيَادَاتِ الَّتِي فِي رِوَايَاتِهِمْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَإِنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ لَمَا خَالَفَ، وَلَمَا كَانَ احْتَجَّ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَاحْتَجَّ بِهَا وَلَمَا احْتَجَّ بِالْقِيَاسِ وَالْعُمُومِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ »[23].
و قال ابن حجر: « وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَخْفَى عَلَى بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا آحَادُهُمْ وَلِهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْآرَاءِ وَلَوْ قَوِيَتْ مَعَ وُجُودِ سُنَّةٍ تُخَالِفُهَا وَلَا يُقَالُ كَيْفَ خَفِيَ ذَا عَلَى فُلَانٍ» [24].
و قال النووي أيضا: « فَفِيهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى شَجَاعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَقَدُّمِهِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَاسْتَنْبَطَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْعِلْمِ بِدَقِيقِ نَظَرِهِ ورصانة فكره مَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهِ غَيْرُهُ »[25].
و قال النووي أيضا: « وَفِيهِ جَوَازُ مُرَاجَعَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْأَكَابِرِ وَمُنَاظَرَتِهِمْ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ »[26].
و قال النووي أيضا: « وَفِيهِ وُجُوبُ قتال ما نعى الزَّكَاةِ أَوِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا أَوْ عَنَاقًا وَفِيهِ جَوَازُ التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ »[27].
و من هنا يتبين أن الكف عمن قال الشهادتين ليس مطلقا قال محمد بن عبد الوهاب: « و هذه الأحاديث الصحيحة إذا رآها هذا الجاهل أو بعضها أو سمعها من غيره طابت نفسه، و قرتْ عينه، و استنقذه المساعد على ذلك، و ليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك. فلو أنه دعا غير الله أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له: لم ير ذلك شركا، ولا محرما، ولا مكروها؛ فإذا أنكر عليه أحدٌ بعضَ ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله اشمأز ونفر وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله، وهذا لم يدر حقيقة الحال.
فلو كان الأمر كما قال؛ لما قال الصديق - رضي الله عنه- في أهل الردة: والله لو منعوني عناقا- أو قال عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وما يصنع هذا الجاهل بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخوارج: أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم، فإنهم شر قتيل تحت أديم السماء؟»[28].
قال حمد النجدي التميمي الحنبلي: « ويكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال كل حديث في وقت. فقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله) ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كُفّ عنه وصار دمه وماله معصوماً ثم بين -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر أنّ القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال: (أمر أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمداً رسول الله، و يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاّها أبو بكر الصديق ثم وافقوه رضي الله عنهم»[29].
و قال سليمان بن محمد بن عبد الوهاب: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق" لفظ مسلم. فانظر كيف فهم صديق الأمة أن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يرد مجرد اللفظ بها من غير إلزام لمعناها وأحكامها، فكان ذلك هو الصواب، واتفق عليه الصحابة، ولم يختلف فيه منهم اثنان إلا ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق » [30].
و قال سليمان بن محمد بن عبد الوهاب أيضا: «فهذا الحديث كآية براءة بيّن فيه ما يقاتل عليه الناس ابتداء، فإذا فعلوه، وجب الكف عنهم إلا بحقه ، فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض هذا الإقرار والدخول في الإسلام، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، بل لو أقروا بالأركان الخمسة وفعلوها، وأبوا عن فعل الوضوء للصلاة ونحوه ، أو عن تحريم بعض محرمات الإسلام كالربا أو الزنا أو نحو ذلك ـ وجب قتالهم إجماعًا، ولم تعصمهم لا إله إلا الله ولا ما فعلوه من الأركان.
وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، وأنه ليس المراد منها مجرد النطق، فإذا كانت لا تعصم من استباح محرمًا، أو أبى عن فعل الوضوء مثلاً بل يقاتل على ذلك حتى يفعله، فكيف تعصم من دان بالشرك وفعله وأحبه ومدحه، و أثنى على أهله، و والى عليه، وعادى عليه، وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله، وتبرأ منه، وحارب أهله، وكفرهم، وصد عن سبيل الله كما هو شأن عباد القبور، وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلا الله، وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد » [31].
هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و كتب ربيع أحمد حامدا لله و مصليا على نبيه - صلى الله عليه وسلم - السبت 17/محرم/1434هـ، 1/12/2012م

[1]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/163

[2]- فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/76

[3]- شرح الأربعين النووية ص 127

[4]- شرح الأربعين النووية ص 127

[5]- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 1/108

[6]- تفسير المراغي 1/59

[7]- فتح الباري 3/361

[8]- عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/126

[9]- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 1/411


[10]- معالم السنن 2/11

[11]-كشف المشكل من حديث الصحيحين 2/514

[12] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1/81

[13]- فتح الباري 1/76

[14]- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 1/108

[15]- شرح الأربعين النووية ص 127

[16]- شرح رياض الصالحين 5/96


[17] - مجموع الفتاوى 7/351

[18]- فتح الباري 13/174

[19] - عمدة القاري شرح صحيح البخاري 14/75

[20] - فتح الباري 1/77

[21] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1/81

[22] - جامع العلوم والحكم 1/236


[23]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/206

[24]- فتح الباري 1/76

[25]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/212

[26]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/212

[27]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/212

[28]- الجواهر المضية ص 24

[29]- الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب ص 67

[30]- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد ص 116

[31]- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد ص 117
__________________
طبيب تخدير و عناية مركزة
قليل التواجد بالمنتدى
الدكتور ربيع أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-30-2013, 05:47 PM   #6
ندااء
عضو جديد
 
الصورة الرمزية ندااء
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
العمر: 28
المشاركات: 2
افتراضي رد: الدرر والفوائد من حديث: " أمرت ان أقاتل الناس.." والرد على المغرضين والزائغين

ما شاء الله , رائع جدا
__________________
موقع تحميل البرامج مجانا
http://www.downloadprogramsfreee.com
ندااء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 09:15 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar