عرض مشاركة واحدة
قديم 02-04-2012, 12:54 PM   #330
amira habiba
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 96
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


•·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•


" الفصل السادس والثلاثون : مـواجـهـات "



شىءٌ لطيفٌ يتحرك على وجهى بنعومة ؛؛
يفصلنى عن أحلامى بتلك الدغدغة التى يثيرها معه فى حركته ...

ببطء .. وبطء ... فتحتُ عينى ؛
لتطالعنى صورة مهتزة ؛ تستعيد ثباتها بروية ؛؛؛

هممتُ بأن أصيح حينما تبينتُ صاحبتها ، ولكنها وضعت سبابتها على شفتيها ؛؛
علامةً تأمرنى فيها بالتزام الصمت ...

جلستْ على طرف السرير بجوارى هامسةً بابتسامة :
" صباح الخير يا هدى ، إنها الثامنة ... ألن تذهبى لعملكِ ؟ "

أومأتُ برأسى وأنا اتخذ وضع الجلوس ناظرةً إلى خالتى التى تنام إلى جوارى بهدوء ...
وبعدها أعدتُ نظرى إلى نهى :
" أجل .. سأفعل ... متى استيقظتِ ؟ "

اتسعت ابتسامتها وهى ترفع كفها إلى مستوى بصرى :
" منذ قليل ... أيقظنى هذا "

التقطتُ الشىء الذى تمسكه برقة بين إبهامها وسبابتها لأقول بابتسامة مبتهجة :
" ريشةُ عصفور ... هل أيْـقَـظْـتِـنِـى بواسطتها ؟ "

أجابت بسرور : " بلى "

أخذتُ أداعب الريشة الجميلة بينما تابعت هى :
" لقد استيقظت على زقزقته ، وحينما فتحتُ الشرفة ، لم أجده ... ووجدتُ هذه الريشة "

غمزتُ بعينى وأنا أعيدها إليها : " ربما أرسلها إليكِ أحدهم "

تبدلت ملامح وجهها فجأة واكتست نظراتها بالمرارة والشرود مغمغمةً : " لا أظن "


ما الذى فعلته ؟!!!!
لم أقصد أن أشير إلى شىءٍ ما ؛ وإنما كنتُ أمزح معها بوجهٍ عام دون تخصيص ؛؛؛
يبدو أن كل تفكيرها يدور حول فارس وخيانته ...
يا للغباء !! ومتى دار تفكيرها فى دائرةٍ أخرى ؟!!!!!

وبختُ نفسى بهمس ؛ ها قد أفسدتُ صباحها العصفورىّ ...

ولكنى سررتُ من جديد حينما نهضت قائلة :
" سأجهز الإفطار ريثما تغتسلين ، الحقى بى عندما تنتهين ... أريد أن أخبركِ بشىءٍ هام "

ابتسمتُ لها وهى تغادر ، وعدتُ بعد ذلك إلى حضن خالتى ... أو أمى الفعلية ؛؛؛

لا أذكر أنى سعدتُ فى حياتى بشىءٍ قدر سعادتى بتلك الزيارة المفاجئة ؛؛
زيارة حملت معها عبير أمى ، وذكريات طفولتى ، وعبق التفانى الذى يحلُّ مع خالتى أينما حلَّـت ...

لا أريد أن أبكى من جديد ؛ قد بكينا بالأمس ما يكفى ويفيض ؛؛؛
ولكنه كان يوماً رااائعاً ...
نمنا قليلاً بعدما جاءت خالتى ، وبعدما استيقظنا أقبلت جلسة الذكريات تتهادى إلينا ...

روت لنا خالتى وزوجها عمى نبيل أحوال بلادنا وبيتنا ، وأخبار معارفنا وجيراننا ...
وبالمثل أخبرناها عن الحياة هنا ، وكل شىءٍ عن العمل ...
ولا أدرى لماذا شعرتُ أن نهى اقتصت بعض الأجزاء ؟!!

عارض الأبوان بشدة ألا نذهب لعملنا اليوم ،،
واقترحا أن نطلب إجازة مدة أسبوع حتى يتسنى لنا الجلوس معهما أطول وقتٍ ممكن ...
وبعدما صلينا الفجر ، نام عمى نبيل فى غرفتى ، ونمتُ أنا ونهى فى حضن خالتى ؛؛
وها قد استيقظتُ كما رأيتم .


ذهبتُ لاغتسل ، وعدتُ بعدها إلى المطبخ حيث تنتظرنى نهى ،،
لن أدعها تخفى عنى أى شىء بعد تلك اللحظة ،،
سأفهم ما الذى حدث بالأمس ، أو بالأحرى ... ما الذى يحدث معها كل يوم ...
ولن تتهرب منى وإن جاهدتْ ...

جلستُ على الطاولة فى مواجهتها ، وامتدت أصابعى إلى شرائح الخيار المقطعة ؛؛
تنهدتْ نهى قائلة :
" لقد ألغيتُ حجز الطائرة ، لا أريد أن يعلم والداى شيئاً عن قرارى هذا ، وبالطبع دوافعه "

نظرتُ فى عينيها لأقول :
" وهل ينطبق هذا علىّ أيضاً ؟! .. قد ضقتُ ذرعاً بكتمانكِ وكأنى لست أختكِ وصديقتكِ الوحيدة !!! "

شدت على كفى قائلةً بسرعة :
" لا يا هدى ... الأمر ليس كذلك ... ما أردتُ أن تتحملى أعبائى ؛ يكفى ما قدمته حتى الآن ؛ ولكنى عزمتُ على إخباركِ اليوم ، وقبل أن تطلبى "

ابتسمتُ بسعادة : " هيا ... إنى أسمعكِ "

جمد بصرها فى الفراغ متمتمة :
" فارس يُـشرف على رسالتى ، ومنذ اليوم سيشرف على عملى فى المستشفى أيضاً ... ولا أطيق رؤية ذلك المجرم ثانيةً "

هتفتُ بسخط : " مجرم ؟!!! أنتِ تعرفين أنه لم يتزوج أبداً "

احمر وجهها بحنقٍ صارخة :
" أجل ؛ إنه مجرم وقاتل .. لقد انتشرت فى الجرائد أخباره وتاريخه الملوث فى تجارة المخدرات "

نظرتُ لها بكل ما يحتويه الكون من ذهول : " ما الذى تقولينه ؟!!! "

انحدرت دمعة على جانب خدها ، فظلت تراقب عدوها حتى ارتطمت بكفها ...
لتتبعثر جزيئاتها ، وينهار شكلها الهندسى المحكم ،،

قالت باختناق : " إنها الحقيقة التى لا أريد لأبى وأمى أن يعلماها ، أرجوكِ "

تحرك لسانى تحت تأثير الذهول :
" لا يمكن يا نهى ، شخصيته بعيدة كل البعد عن الشخصيات الإجرامية ... استطيع الجزم بهذا "

صاحت بألم :
" لقد خدع الجميع ، الخبر سليم تماماً ... رأيتُ الجريدة بعينىّ هاتين "

أمسكتُ برأسى قبل أن يستمكن منى الدوار ويصيبنى بالإغماء :
" يا إلهى !!! من كان يصدق هذا ؟!!! ... آمل أن يكون الأمر كله كابوساً سينتهى بعد قليل "

ظلت شاردة فترة قبل أن تقول :
" بالأمس جاءت روان ابنة أخته إلى المستشفى وصدمتنى بالحقيقة ؛ وبعدها ذهبتُ إلى مهند كى أخبره بموافقتى على الزواج ، ولكنى وجدته مع هذه المرأة "

سألتها بتعجب :
" وما المشكلة ؟!! ربما أرادت استشارته فى أمرٍ طبى ! "

أكملتْ دون أن يبدوَ عليها أى أثرٍ لسماعها سؤالى :
" لم يصدمنى أن يكونا معاً ، فأنا أعلم أن مهند وقع فى حبها منذ أن رآها ، وسأكون سعيدة إن وجد مهند بُـغيته ؛ ولكن ما صدمنى هو اتفاقهما علىّ ... فمن المؤكد أن مهند هو من دبر لذلك اللقاء دون أن يُـعلمنى ، وهى أيضاً تظاهرت بعدم معرفتها لى ... كم كنتُ غبية !!! "


ابتسم قلبى وأنا أقول :
" تبدين أفضل حالاً من الأمس ، أراهن على أن تلك الاستنتاجات العاقلة لم تأتيكِ إلا بعدما نمتِ فى قلبِ خالتى .. وقبل ذلك كان عقلكِ مشحوناً بأفكارٍ سوداوية ، تشير بإصبع الخيانة إلى مهند "

تبسمتْ مجيبة :
" أجل ، أنتِ على حق ، أخشى من كونى قد تسببت فى أى مشكلة لمهند ، فى الحقيقة ... أنا سعيدة لأجله ، ولكن هذا لا ينفى أنى غاضبة لتصرفه من دون علمى ، وفى نفس الوقت لا أثق بهذه الفتاة "

ضغطتُ على كفها :
" لا تقلقى يا نهى ، لقد قابلتُ مهند عدة مرات ، ولا أظنه من ذلك النوع الذى ينجرف خلف العواطف إن كان فيها ما يعود بالضرر عليه ، وهو أيضاً قادرٌ على التمييز "

أومأتْ برأسها ، فتابعتُ :
" فكرى فى نفسكِ الآن ... ماذا ستفعلين ؟! "

مجدداً ... بنفس الشرود :
" لا أعلم صدقينى ، لن يقتنع أبى بالعودة للوطن الآن ، وقد رتب أموره لنبقى هنا حتى حلول الصيف ، ولن يرى أية مبررات فى عدم ذهابى إلى العمل أو تقديم استقالتى "

قلتُ بتفكير : " أنتِ محقة ، ولكن .. لماذا لا تخبريه بالحقيقة ؟! "

امتقع وجهها لتقول فجأة :
" لا يمكننى بالطبع ... تعلمين كم سيوبخنى والدى ويذكرنى بسوء اختيارى ... و ... و ... لا أريد لأبى ... أن يكرهه .. أكثر "

حدقتُ فى وجهها ، أى حبٍ تحملينه فى قلبكِ لذلك الرجل يا نهى ؟!!
تخافين عليه من صورته أمام والدكِ ؛ وتجبرين قلبكِ على كرهه .... وأنَّـى له أن يطيعكِ !
ما أنبل خلقكِ !!!!

أجبتها بهدوء :
" حاولى أن تصبرى قليلاً يا نهى ، سنفكر فى حلٍ خلال هذا الأسبوع ، وآمل أن يوافقوا على الإجازة "

ابتسمتْ قائلة :
" هذا ما سأفعله ... ولكن ... لم تحدثينى عن أخباركِ ؟! "

تلعثمتُ : " أخبارى !! أية أخبارٍ تقصدين ؟!!! "

ابتسمتْ بمكر : " العمل ... أم سيف ... ابنها ... كل الأخبار "

احمر وجهى واستولى على لسانى الارتباك : " لا أفهم يا نهى "

ضحكتْ بصوتٍ منخفض :
" حسناً يا عزيزتى ، لاحظتُ أنكِ مضطربة بعض الشىء ، تحديداً منذ ذلك اليوم الذى اصطحبكِ فيه سيف للتنزه ، ولا أعلم ... ربما حدث شىءٌ لم تذكرينه لى ... أدرك أننى انشغلتُ عنكِ ، والآن انتظر أن تخبرينى بجديدكِ ^_* "


أطرقتُ برأسى دون أن أجيب ، فصفقتْ بكفيها جزلاً واحتضنتنى بقوة :
" سعيدة لأجلكِ يا هدى ، تمنيتُ طويلاً أن ينطق الحجر المُـسمى سيف بذلك ، أو أن تبوح لى الخجولة هدى بحقيقة مشاعرها ... وها قد تم كل شىءٍ دون علمى "


أمسكتُ بكفها قائلة بهمس :
" صدقينى لم يحدث شىء ، أخبرنى فقط أنه ... أنه ..... "

تملكنى الإحراج ، فأكملت نهى ضاحكة :
" وأنتِ أيضاً أخبرته أنكِ ... أنكِ .... "

نظرتُ لها بغيظ بعدما سخرت منى ، فاحتضنتنى مرة أخرى لتقول بصوتها الضحوك :
" لقد أنبأنى حدسى غير ما مرة أنكِ معجبة به ، ولكنى لم أشأ سحب الاعتراف منكِ ، وآثرتُ أن تخبرينى بنفسكِ "


همستُ بخجل : " لقد ... ظننتُ ... أنكِ ... تحبينه "

نظرتُ لى متفاجأة ، وبعد برهة لان وجهها متمتمة بخفوت :
" سيف ... حاولتُ كثيراً أن أفهم شعورى تجاهه ... سعادتى فى وجوده ... اطمئنانى لكل ما يفعله ... ثقتى العمياء به ... لهفتى لرؤيته والسؤال عنه ... أدركتُ أخيراً أنه لو كان أخى سيف معنا الآن ؛ ما كنتُ سأشعر ناحيته بأى شىء يزيد عن شعورى تجاه سيف جارنا ... ألم يطلب منكِ مقابلة أهلكِ ؟ "

تفشى الحزن فى لسانى لأجيب :
" أخبرنى أنه سيسافر إلى الوطن ، وحينما تحين عودته – التى لا يعلم متى ستكون – سيتقدم لخطبتى رسمياً "

ربتت على كتفى قائلة :
" لا تحزنى يا عزيزتى ، لن يطول سفره بإذن الله "

ضغطتُ بأناملى على زاوية عينى لأمنع تلك الدمعة الدافئة من الفرار :
" ولكنى ... لا أريده أن ... يسافر "

ابتسمت نهى ومسحت بكفها على جبينى :
" أعلم أنكِ ستشتاقين إليه ، ولكن عليكِ تقدير ظروفه دائماً وأبداً ؛؛ لا نملك سوى الدعاء له بأن يقضى الله حاجته وييسرها ويُـعجل بعودته إليكِ "

ابتسمتُ لرفيقة عمرى ، وقبلتُ خدها ممتنة قبل أن استعد للذهاب إلى عملى .



*...*...*




نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



يا الله ... ما أسعدنى ؛؛
أدخل الله السرور على قلبك يا سيف كما أدخلته على قلبى ؛؛؛

أخيراً سيتحقق حلمى بالاطمئنان على أختى ؛؛
وأخيراً سيرتبط بنا سيف برباطٍ دائم ...
يا رب ارزقهما السعادة ...

" تفضل "
فزعتُ حين سمعتُ تلك الكلمة ، وانتبهتُ إلى أنى طرقتُ باب غرفة المدير منذ لحظاتٍ قليلة ...

دخلتُ بهدوء : " صباح الخير دكتور وليام "

حيانى الرجل العجوز بابتسامة :
" صباح الخير يا نهى ... كيف حالكِ اليوم ؟ أخبرتنى جوليا أنكِ غادرتِ بالأمس بعد انتهاء العملية ... هل صرتِ أفضل ؟ "

أومأتُ برأسى :
" الحمد لله ، كنت متعبة بعض الشىء ، واستعدتُ كامل لياقتى بفضل الله ... ولكن .. احم .. احم ... لى طلبٌ أرجو أن يتم تلبيته "

تبسم من جديد : " تفضلى "

قلتُ بنبرة مستعطفة :
" لقد جاء والداى من بلدنا بالأمس ، وكنتُ أريد أن أبقى معهما ذلك الأسبوع بعد أن آخذ إجازة من العمل ... فهل يُسمح لى ؟ "

ظهرت على وجهه الدهشة ، وسرعان ما عادت إلى وجهه تلك الابتسامة الرصينة :
" إجازة لتجلسى مع والديكِ ... لكم عاداتٌ جميلة أيها العرب .. انتظرى لحظة "

أومأتُ برأسى ، وبقيتُ أراقبه حينما رفع سماعة الهاتف الذى يربط بينه وبين سكرتيرته الخاصة ؛؛

" ساندى ... ابحثى فى ملفات الأطباء عن ملف دكتورة نهى "
" ....... "
" أرسلى لى الملف الورقى ، وابحثى أيضاً فى الملفات المخزنة على الحاسوب ... كم استهلكتْ من أيام إجازاتها ؟ "
" ....... "
" شكراً ساندى ، بانتظار الملف "

وضع السماعة فى مكانها ، ونظر لى مبتسماً :
" تقول ساندى أنه بقى لديكِ أسبوعان ، يمكنكِ أخذ الإجازة ... تحاياى لوالديكِ "

ابتسمتُ له شاكرة فى نفس اللحظة التى دخلت فيها ساندى ووضعت الملف الورقى أمامه ،،
حيتنى بابتسامة صارمة ثم انصرفت ...

ساندى فتاة جادة جداً ، لا أظنها تصلح لأن تكون مضيفة فى الطائرة ...
أما جوليا فإنها تجيد ذلك الدور ، وتحسن التملق كثيراً ...
وتلك المخلوقة الكريهة التى تدعى مارى .....

يا إلهى !!! ما الذى أفكر به ؟!!!

" بما أنكِ ستأخذين الإجازة ، فأُفضٍّـل أن تبدأيها من الغد ، أخبرتكِ أن الطبيب فارس سيأتى اليوم ، ومن المؤكد أن سيعقد اجتماعاً لجميع الأطباء ... سيفوتكِ الكثير إن لم تحضريه "

حملقتُ فى وجهه الرزين لأقول بعصبية : " لا احتاج هذا الاجتماع "

نظر لى باستنكارٍ قائلاً :
" ماذا تقولين ؟!!!! بالطبع تحتاجينه ، لا يجب أن تتحدثى عن أساتذتكِ وجهودهم بتلك الطريقة "

احمر وجهى وتصبب العرق منى لأقول بإحراج :
" أنا آسفة دكتور وليام ، لم أقصد ذلك "

هز رأسه بتفهم ليقول :
" عليكِ الاستماع لنصائحى إذن ، ستبدأ إجازتكِ منذ الغد ، مُـرى على ساندى وأخبريها بذلك ... آمل أن تستفيدى اليوم "

تنهدتُ وانصرفتُ شاكرة إياه ؛؛
إلى أى مدى ستضعك الأقدار فى طريقى يا فارس ؟!!!
ولماذا لا يتسنى لى الهروب متى أردت ؟!!!

ذهبتُ إلى غرفتى بعدما مررتُ على ساندى ، عزائى الوحيد أنى سارتاح أسبوعاً كاملاً من شبحه الذى يلاحقنى ؛؛

مضى الوقت حتى استراحة الغداء بلا شىءٍ مهم ،،
الأمر الوحيد الذى استرعى انتباهى ؛ هو عدم رؤيتى لمهند ...
وما هى إلا دقائق حتى تذكرتُ أن اليوم هو الإثنين ... لذا فإنه لن يأتى ... إنها عطلته الأسبوعية ؛؛


أرخيتُ جسدى على الأريكة بعدما خرجت الحالة الأخيرة ،،
وشرعتُ فى تناول بعض الشطائر ...

قد انفجر عقلى من التفكير ؛؛
كيف سالتقى بذلك المجرم مرةً أخرى ؟!!!
وكيف سيمر اليوم دون انهيارٍ محقق ؟!!!
وأنَّـى لى بالقدرة على مواجهته ؟!!!!


نهضتُ بسرعة عندما طرق أحدهم باب غرفتى ، وفوجئتُ بأنه جون الذى يخبرنى بأن الطبيب الذى سنعمل تحت إمرته قد أتى منذ قليل ؛؛
وجميع الأطباء ذهبوا لتحيته ... وسيبدأ الاجتماع بعد دقائق ؛؛

دخلت كل هذه المعلومات إلى عقلى دفعةً واحدة ، ولم يتمهل زميلى المبجل حين أعطاها لى على صورة حقنة وريدية سريعة المفعول ؛؛
ولكن تأثيرها الوحيد ظهر على شكل معلومة مفردة ...
سأقابله من جديد ... بعد دقائق !!

سرتُ بالقرب من زميلى – ثقيل الظل – الذى يصغرنى بأكثر من عام ؛؛
هو شابٌ طموحٌ ومجتهد ، ولكن مرافقته أمر صعب جداااً
وها قد استقر عزمه أخيراً على نفس تخصصى ، ليكون أقرب الزملاء إلىّ ...
وفوق ذلك .. سيستقى كلانا العلم من المجرم الفاسد !!


وصلنا لقاعة الاجتماعات بعد رحلة ظللنا فيها الثقل والتجمد ؛؛
يارب أعنى وارزقنى الصبر على أمثال هؤلاء البشر ...

ما إن خطوتُ أولى الخطوات إلى داخل القاعة ، حتى أطرقتُ برأسى فى حركة ملفتة للنظر ؛؛
لا أريد أن أراه ... لا استطيع

ولكنه لن يدعنى وشأنى ، سيصل تأثيره إلىّ وإن أصابنى العمى ؛؛

ها هى روحه التى تطوف فى القاعة ؛ تغزونى مدمرةً وجودى ،،
تلطمنى بأمواجها ، وتكسرنى أنواؤها ...
وتسحب روحى من داخلى ، لتعانقها ذلك العناق المميت ...
الذى تتهشم له عظامى ، وتنغزر فى جسدى النحيل ... فتسيل على إثرها دمائى البيضاء ؛؛

صفعتنى بقوة ، فارتج كل كيانى ؛؛
وامتدت يدى بلهفة تبحث عن القشة التى تنقذ الغريق ؛؛

حينما وجدتها ، تشبثتُ بها بأقوى ما استطعت ،،
وبدأ الكون يستقر حولى .. حتى اتضحت أمامى الصور ؛ وذلك المقعد الخشبى الذى أُمسك به بعد أن صار فى نظرى .. القشة !

رفعتُ بصرى ببطء إلى ذلك الظل الذى يحيطنى ، فوجدتُ جون يرمقنى بدهشة ؛؛
لقد نسيتُ أننى أسير إلى جواره ، ولابد أنه لاحظ ما أصابنى ..

أزاح جون المقعد الذى أمسكتُ به ، وجلس على المقعد المجاور ؛؛
فما كان منى إلا أن ابتسمتُ فى داخلى ؛؛
أثق بأنه بذل مجهوداً خرافياً كى يفعل هذا ، ولا أظنه يعرف أن هناك خطوة أخرى يجب عليه اتخاذها تتمثل فى التبسم ، والسؤال الشائع ... هل أنتِ بخير ؟


استغرب أحياناً كيف يستطيع النجاح فى عمله الذى يتطلب منه الكثير من التفهم والشعور باحتياجات المرضى ؛؛
ربما سيكتسب تلك الأمور ذات يوم ؛؛


" أنسيتِ تناول طعامكِ هذه المرة أيضاً ؟!! "

صعقتنى تلك السخرية الهامسة ، وذلك الشعر الأحمر الذى لامس جانب وجهى ؛؛
فتحركت عينى بمشقة إلى تلك العيون الساخرة التى تخترقنى ، ووجه صاحبتها المنحنية التى تضع بعض الأوراق أمامى على الطاولة الكبيرة ...

مرت اللحظة بطيئة ، ثقيلة ، ملتهبة ...
أكاد أقسم أنه لو كان معى جهازٌ لكشف الأشعة غير المرئية ، لوجدتُ شعاعين من النيران الشفافة يتجهان صوبى بكل معانى الكره والحنق !!

ازدرتُ ريقى بصعوبة لأشيح بوجهى عنها فى نفس التوقيت الذى انطلقت فيه جملة آمرة تقطر صرامة :
" عليكِ الانتهاء من توزيع الأوراق مارى حتى نبدأ الاجتماع "


انتفضت الفتاة وأسرعت تنجز مهمتها ،، بينما صدمتنى موجة عنيفة ...

مضت ساعة كان هو المتحدث الأول فيها ،،
لازمتُ الإطراق ولم أشعر بأناملى التى تجرى على الأوراق وكأنى جهازٌ مُـبرمج ... !

صوته الذى يتوالى على أذنى .. فأسمعه بكل جسدى ، ويُـوَلد فى نفسى شعورٌ بالبغض والكره لذلك المخلوق الذى حطمنى وما زال

مجرمٌ انطلت علىّ حيلته ، وطالتنى يد خدعته لتشنقنى الأمس واليوم وغدا ...

ولأول مرة ؛ يملأنى شعور بالكره الحقيقى ، ليس ذلك الكره الذى يمشى على استحياء ، ويختبىء خلف دثار الوَلَـه ؛؛

كل أحرفه تمزقنى ، تشتتنى ، تدمى ذاتى المبعثرة ،،
وصوته الذى تشرب منه الكذب ، يحسن اصطناع الهدوء ؛ متشحاً بغلالة من الصدق المُـرائى ،،
وهيهات أن تعمينى تلك الغلالة عما تحتها ...

ثوبُ الرياءِ يشفُ عما تحتهِ ... فإذا التحفت بهِ فإنكَ عارى

حالما أنهى آخر إرشاداته ، نهضتُ بسرعة أملاً فى الفرار ؛؛


" دكتورة نهى ، انتظرى قليلاً ، فإنى أريدكِ "

ثبتت قدمى فى مكانها وكأنها أُلصقت بغراء ، وتوقفت حركتى تماماً كشريط للفيديو تم إيقافه عند مشهدٍ ما ؛؛

" يمكنكِ انتظارى فى الخارج مارى "

أردتُ أن أصرخ ، لا أريد أن أبقى وحدى معه ، لا أريد الاجتماع به فى أى وقت ...
ولكن صرخاتى أبت أن تغادرنى ، فظلت تتردد داخلى بعنف ؛ ليتهتك كل ما تمر به فى طريقها ؛؛

ولم استطع الاستدارة خلفى حيث يقف ، فإلى متى ستنصاع لأوامره جوارحى ؟!!

هبت عاصفة مزمجرة حينما سارت بجوارى حمراء الشعر التى أكرهها أضعاف ما تكرهنى ...

جَـعَـلْـتَـنى أكره الجميع ، تباً لك يا فارس !!

أوشكت أن تتهدم الجدران حينما صفعت تلك البغيضة التى تغار على البغيض الباب خلفها ؛؛
وإذا بشعلةٍ دافئةٍ تحوم حولى مذيبةً جليد روحى ؛؛
واستقر طيفه أمامى ليجتاحنى قربه ،،

فتتسارع نبضات قلبى محاولةً الإفلات من قفصى الصدرى ..
أثق بأن قلبى سيستطيع فى إحدى المرات اختراق أضلعى والقفز بين ذراعيه ..!

جاهدتُ كى أخرج من تلك الحالة التى تصيبنى كلما كان قريباً منى ؛
فصرختُ بتحدٍ وأنا أرفع عينى إليه : " ماذا تريد ؟!! "

ويا ليتنى لم أرفعها !! فى ذلك الصفاء الذى ينعكس أمامى ذكرى ليومٍ ظننته فيه فارس يقظتى وغفوتى ؛؛
ولكنه قادرٌ على أن يُـنسينى بزرقتها كل كدرٍ أصابنى و أصابها ...

أرسلت عيناه نسمةٌ حانية ، ربتت على عينى ؛؛
فاجتمعت الغيمات لترسل مطراً انزلق على خدى بتعب ومرارة ... و ... يأس .!

" لـمـاذا تبكــين ؟!!! "

مرق السؤال إلى مسمعى ، لينقل إلىّ ذكرى يوم لقائنا الأول ؛؛
ذلك السؤال الذى يسألنى إياه كلما تقابلنا ،،
فيهز عروش قلبى ، وتأتى ردة فعلى عنيفة ...
وكأنى اتغلب على ضعفى بذلك الصراخ البائس ؛؛

هى الأيام تعيد نفسها ، ولكن مع اختلاف نفوسنا ؛؛
لم تعد أنا هى ، ولم تعد أنت هو .. وللأسف ؛ لم تكن كذلك فى يوم ؛؛
ويا ليتنى كنت مدركة !!


ما زالت نظراته الحانية تغلف قلبى الجامد ، تجمع أجزاءه الممزقة ، تربطها برباطٍ لا يستطيع غيره أن يربطها به ؛؛

تردد فى عقلى صوتٌ هامس ، بدأ يعلو شيئاً فشيئاً ...
لااااا ، لن أتركه يخدعنى من جديد ، لن أكون ضحية تلونه ونفاقه ؛؛

" ابتعد عنى أيها المجرم "

ارتج جسدى لتلك الصيحة التى شقت سكون المشاعر ،،
فأطاحت به بعيداً بالفعل ، وتجلت على وجهه دهشة لا حد لها ...
ليتمتم باستنكار :
" مجرم ؟!! ... أنا مجرم ؟!!! "

هتفتُ بغضب : " لا تدعى البراءة أيها المجرم القاتل "

نظر لى منذهلاً ، فتابعتُ بسخرية :
" بعدما جربت القتل ، ونشأت فى أسرة تتاجر بالمخدرات وورثت منها ذلك العمل الحقير .. ما هى خطتك القادمة ؟! "

وهنا ... قبضت كفاه على كتفىّ بقسوة ، وزال كل صفاء عينيه ؛ لتستحيل أشد سوادً وقتامة من عينى ؛؛

صاح بخشونة : " من أخبركِ بهذا ؟!! "

تملكنى الرعب ، فقلتُ بارتباك : " إنه المدير "

قال بغضب : " وهل صدقته ؟!! "

أجبتُ بحدة : " لقد رأيتُ الخبر فى الجريدة أيضاً "

اتسعت عيناه سوداء اللون ليغمغم متعجباً :
" وهل صدقتِ الجريدة والصحافة ؟!! "

لم أجب على سؤاله بعدما ألجمنى الذعر ، فصرخ بغضب الكون وهو يهزنى بعنف :
" أجيبينى ، هل صدقتهم ؟!! "

أغمضتُ عينى فى محاولة للهرب من غضبه الذى يفتك بى ، لأصرخ بصوتٍ مرتفع :
" أنا أصدق جميع البشر ، فيما عداك "

توقعتُ منه أن يصفعنى ، يدفعنى .. أو على الأقل ؛ يصرخ من جديد فى وجهى ،،
ولكنى ذُهلتُ حينما ارتخت قبضته التى انغرزت فى كتفى ،،
ففتحتُ عينى ببطء لألمح نظرة متألمة فى عينيه ، وشبح ابتسامة يتراقص على زاوية فمه ؛؛

بعد لحظة قال بهدوء :
" أشكركِ دكتورة نهى ، يمكنكِ متابعة عملكِ إن شئتِ "

فررتُ من تلك البقعة المظلمة ، وأغلقتُ باب غرفتى وراءى حينما وصلتُ إليها ...
وأنفاسى تتلاحق ، ودمعاتى تتسابق ، وقلبى ... يتعذب !!



*...*...*




نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



صليتُ العشاء فى أقرب مسجد قبل أن أصعد للشقة ،،
وما إن سلمتُ على أمى حتى قالت بسرور :
" ليتنى مرضتُ منذ زمن حتى تعود من عملك باكراً ، ولا تنتظر حتى منتصف الليل "

قبلتُ يدها :
" بارك الله فى صحتكِ يا أمى ، وشفاكِ من كل سقم "

ثم قلتُ مازحاً :
" تعلمين كم اتشرد حينما يصيبكِ التعب ، فمن سيسهر على خدمتى إن بقيتِ مريضة ؟! "

ضحكت أمى وغمزت بعينها قائلة : " أوَ تسألنى أنا ؟!! "

احمر وجهى فتنحنحتُ ، بينما علت ضحكات أمى العذبة ، وأخيراً قالت بجدية :
" نسيتُ أن أخبرك ، لقد قدم والدا نهى من السفر يوم الأمس ، لم أعرف سوى عصر اليوم ، فذهبتُ لتحيتهما وجلستُ مع والدتها بعض الوقت "

انفرجت أساريرى فقلتُ بسعادة :
" حقاً ؟! ... لا ريب أن الفتاتين فرحتان جداً "

أومأت أمى برأسها مردفة :
" من الأفضل أن تذهب الآن لترحب بهما قبل أن يتاخر الوقت أكثر ؛ هذه فرصة عظيمة لتتعرف على أهلك الجدد ... و ... ترى ملاكك الخجول "

قالت الجملة الأخيرة مصحوبة بغمزاتها ، فنظرتُ لها بخجل ...

لم تمضِ نصفُ ساعة حتى بدلتُ ملابسى بأخرى أنظف وأرقى ،،
واغتسلتُ بعد عناء يوم العمل ...
ينبغى أن يأخذوا عنى انطباعاً جيداً فى أول لقاء ؛؛

حرتُ كثيراً فيما يجب علىّ أخذه فى تلك الزيارة .. بعض الحلوى ... أم .. ؟

فى النهاية استقر عزمى على مجموعة رائعة من الورد ،،
هذا أنسب شىءٍ لتحية العائدين من السفر ،
كما وأنها ليست زيارة بالمعنى الحقيقى ، سأسلم عليهما فقط ،، لن يستغرق الأمر سوى ثلاث دقائق ..


قرعتُ جرس الباب ناظراً برضًـى لتلك الطاقة الكبيرة التى أحملها ،،
وبعد نصف دقيقة أطل وجه العم البشوش ؛؛

بادرته السلام قائلاً : " السلام عليكم ، كيف حالك يا والدى ؟ "

لا أدرى لماذا قلت له ( والدى ) ؟!!
هل لأنه كبير السن ، ودائماً أطلق على الكبار ألقاباً تناسبهم ؟!!
أم لأنه لقبٌ طالما حلمتُ بقوله ، وانتهزتُ أول فرصة اتيحت لى كى أقوله لمن هو فى مقام والد فتاتى الحبيبة ، وبالمثل والدى ؟!!

حقاً ، لست أدرى ..!

مد العم يده إلىّ مصافحاً بترحاب كبير جداً :
" بخير حال يا بنى ، أنت سيف إذن ، جميعنا ممتنون لك للغاية ... تفضل يا بنى "

جذبنى من يدى إلى غرفة المضايفة ، وهذا ما لم أكن أرغبُ به ...
يا ليتنى أحضرتُ معى الحلوى أيضاً ..!!


مضت دقائق قبل أن تأتى نهى مرحبةً بى ؛؛
تلك الفتاة ... كم اتمنى أن تكون أختى بحق ،، لأربت على كتفها المثقل ، وأخفف عنها بعضاً مما تعانيه ...

وبعدها أقبلت حوريتى الغالية ، حاولتُ أن أخفى نظراتى اللهفى لعينيها كى لا يُـفتضح أمرى أمام زوج خالتها ،،
ولا أعلم هل وُفقتُ فى ذلك أم لا ..؟

تجاذبتُ مع العم – الذى عرفتُ أن اسمه نبيل – أطراف الحديث ،
حتى ألقت أم نهى السلام ؛؛
انتابنى شعورٌ غريب ، فنهضتُ بأدبٍ لأحييها :
" كيف حالكِ يا والدتى ؟ حمداً لله على وصولكِ بالسلامة "

ظلت السيدة تراقبنى وتتأملنى مرددةً بهمس .. " والدتى "

ما الذى أصابها ؟!!!
لماذا تنظر لى هكذا ؟!!!

علانى الإحراج ، فتدارك العم نبيل الموقف سريعاً :
" اجلس يا بنى ، تفضلى يا أم نهى "

خيم السكون على الغرفة لبرهةٍ بدت طويلة ... هناك أمرٌ لا أفهمه !!!
شىءٌ يحدثُ داخلى ... لا أدرى كنهه !!!


أصرت نهى ووالدها على تقديم العشاء ، وقضيتُ مع تلك الأسرة أكثر من ساعة ...
شعرتُ فيها بارتياحٍ عجيب ، وتمنيتُ أن ييسر الله أمرى لأصير فردً منها ...
واستمتعتُ كثيراً بالحديث مع عمى ...

ولم يؤرقنى سوى نظرات والدة نهى الجانبية ؛؛
التى لم تُـخفض عنى لحظة ..!!!


*** *** ***


يُـتبع بإذن الله ...
amira habiba غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس