آخر المشاركات
         :: I am the new one (آخر رد :NaomiIngal)      :: Just want to say Hi. (آخر رد :SidneyMill)      :: I am the new one (آخر رد :ShastaReit)      :: I am the new one (آخر رد :HassieQuil)      :: I am the new one (آخر رد :Claude06Q9)      :: I am the new one (آخر رد :HassieQuil)      :: I am the new guy (آخر رد :GLQPhyllis)      :: Free Online Image Converter (آخر رد :Jerilyn07Y)      :: Just want to say Hi! (آخر رد :EZNHarvey)      :: Free Online Video Maker (آخر رد :LawannaMan)     


العودة   كل الطب أكبر منتديات طبية عربية 10 أعوام من العطاءAllteb 10 Years of Donation > ۞ السّــاحةُ الأدبيَّـة و الثقافية ۞ > °l||l° إبــْداعـٌ بـ لا حدُود °l||l° > الروَايات و القصصُ القصيرة

الروَايات و القصصُ القصيرة بلغني أيُّها الملك السعيد .... !!

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-17-2012, 03:59 PM   #337
amira habiba
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 96
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

قوليلها و النبي
بدل ما هى مطنشانا كده
شكرا ليكم يا جماعة
amira habiba غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-17-2012, 04:17 PM   #338
amira habiba
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 96
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



•·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•



" الفصل الثامن والثلاثون : يا راحـلاً "




ثلجٌ أبيضٌ ناصح تناثر على كفها الحانى كحباتِ ألماسٍ هربت من عِـقد السحاب ؛ لتزين ذلك الكف المعطاء الذى قدم ... الكثير ؛

نهضتُ من مكانى لأقف وراء الشرفة حذاءها ، مراقبةً الثلج الذى يتحول إلى كَـثَـبٍ صغير ، نقىٌ كسريرتها ...

ابتسمتْ حينما وصلتُ إليها ، وبعدها أعادت بصرها إلى كفها المبسوط فى الهواء ليلتقط لآلىء السماء البراقة ،،

قلتُ مبتسمة : " إنه جميل ، أليس كذلك ؟ "

ردت بانبهار ونظرها لم يتحول عن خيوط النقاء الواصلة بين السماء والأرض :
" سبحان خالقه ، أبدع الكون وصوّره "


أومأتُ برأسى واحترمتُ صمتها المنبهر بعدما أنهت جملتها ، وبعد فترة وجيزة قالت :
" هذه هى المرة الأولى التى أرى فيها السماء تمطر ثلجاً ، ولم اتخيل أن المنظر بهذه الروعة حتى رأيته الآن ، فهى لم تمطر منذ أن جئنا "

ابتسمتُ لها :
" أجل يا خالتى ، لقد أوشك حلول الربيع ، لذا فإن الأمطار الثلجية تقل ، وثلوج الشوارع تبدأ فى الذوبان "


هزت رأسها وأعادته إلى موضعه قبل أن تستدير إلىّ من جديد سائلةً بقلق :
" هل هى عاصفة قوية ؟ "

تنهدتُ مجيبة : " لا أبداً ، سحابٌ ممتلىءٌ فى مدينتنا فقط ، لقد سمعت كل النشرات الجوية مساء الأمس "

نظرت لى خالتى بقلق ، فأردفتُ :
" إنه جو صالح للسفر على حد قولهم ، ولن تدوم الأمطار أكثر من ساعة ، سلَّـمَ اللهُ جميع المسافرين "


ما إن أتممتُ جملتى حتى هدأ تساقط الأمطار ، وبدأت أشعة الشمس تغزو الكون فارضةً سيطرتها على كل ما يعترض طريقها ؛

فابتسمتُ بهدوء : " ألم أقل لكِ ؟ "


تبسمت خالتى بشرود وهى تغلق الشرفة : " هل أعد لكِ الطعام ؟ "

سألتها : " ألن تتناوليه معى ؟ "

هزت رأسها علامة النفى : " ليس بى رغبة لذلك الآن "

تنهدتُ قائلة : " وأنا أيضاً ، سانتظر حتى تستيقظ نهى ويعود عمى نبيل "

أومأت خالتى برأسها مطلقة زفرة حارة ، وارتمت على المقعد بإعياء ؛؛
فاقتربتُ منها وربتُ على كتفها ، فما كان منها إلا أن شدت على كفى قائلة :
" اذهبى لتفقدها يا ابنتى ريثما أعد بعض العصير ، فلم يدخل فى جوفها شىء منذ الأمس "

قلتُ بسرعة : " كنتُ سأفعل "


مشيتُ إلى غرفة نهى التى لم تغادرها منذ أن جاءت من عملها يوم الأمس ،،

جلستُ على السرير اتأمل وجهها الشاحب وجفونها المتورمة من طول البكاء ،،
فمسحتُ على رأسها هامسةً : " هل ما زلتِ نائمة ؟ "

أيقنتُ من أنها كذلك لمّـا طال انتظارى لجوابها دون أن يأتى ،،
فأسندتُ ظهرى للوراء وفى مخيلتى صورتها المنهارة عندما عادت للبيت ، لتصب فوق رؤوسنا شلالات المفاجأة التى لا مصب لها


كنتُ موقنة من أنه ليس مجرماً كما قرأت نهى فى الجريدة ،،
ولكنى لم اتخيل أبداً أن تكون له حكاية بمثل هذه الغرابة ...!

تعذيبٌ وقسوة ، وتضحيةٌ وتفانى ، وجلدٌ وصبر .... ياله من بطل !!!


ما استطعتُ مواراة دمعى ، وما استطاعت خالتى ، وعمى نبيل أيضاً فضحت عيناه تأثره ...
ولا أعلم هل قصة فارس المؤلمة هى السبب الأوحد لذلك ؟
أم أنه مزيجٌ من الخوف على نهى والتألم لحالها ، وسفر سيف الذى وقع علينا خبره وقع الصاعقة ؛
فلفّـنا الحزن وغلّـف حالنا الوجوم ....
حتى جاءت مأساة فارس شاطرةً ظهر البعير ؛؛


يقولون أن المصائبَ حين تأتى ، لا تأتى فُـرادى ؛؛
وكذلك أرى الصدمات وما يلحق بها من أحزان .....


فى لحظةٍ يتبدل الحال ، فيصير المتوقع مستحيلا ، والمألوف غريبا ؛؛
لتعلم أن مصيرك لا يرتبط بالمقدمات المنطقية ....

هو غيبٌ لا يعتمد على المنطق ، ولكنها قدرة الله وإرادته ....

ما مصيرى مع سيف ؟
وما مصير نهى مع فارس ؟

هل وقفت الأحداث عن هذه النقطة ؟
نقطة اللاشىء ، نقطة الفراق ، نقطة اللاعودة ؟

ولكن مجرى الزمن لم يتوقف بعد ،،
هو يسير ، ولكن نحن من توقفنا ، وأوقفنا تدفقه المنساب ...

هل صارت السعادة فى حياتنا مشروطة ؟!!
إن جنيتَ قطوفَـها فى يومٍ ، يجتثُـكَ ضدُّها فى اليوم التالى ؟!!!

هل الألم الذى تحسه نهى الآن ضريبة فرحتها بعامٍ قضته مع من تحب ؟!!
وهل الوجع الذى يمتد زحفه الآثم فى نخاع عظامى ضريبة التفاؤل الذى غرّدت عصافيره فى أوصالى أسبوعا ؟!!!


ها هو الفراق يطيحُ بأعشاشها ، ويُـخرس صوتها ،،
فتصيح بعد أن كانت تغرد ؛ كـ بومٍ ينعق متألماً بعدما ارتشق فى حلقه سهمُ صيادٍ غادر ....


ضممتُ ركبتى إلىّ يدعمنى ثباتُـها ، وانفجرت ينابيعٌ من الدمع سخية فى جوفى ،،
وما أخطأت مسارها إلى عينى ، شاهدةً على حرقة قلبى التى أداويها بصبرى وأملى ...

فقدانُ أبوىّ ومأساةُ صغرى ، عذابُ حبٍ أجهل مصيره ، وآلامٌ انتقلت من قلب أهلى إلى قلبى ؛ وما عاد يحتمل ....

على صِـوانِ الوهنِ ترمم كيانى ، ولهيبُ انتظارِ المُـفارقِ أحرقه ،،


يا ربى ، لماذا صرتُ متشائمة إلى هذا الحد ؟!!!


مسحتُ نهر دموعى من فوق خريطة أحزانى ، وطبعتُ قبلة على جبين نهى المحموم قبل أن أنهض لأصلى العصر ،،

بماء الوضوء شملنى الهدوء ، وفى محراب الصلاة ضمتنى السكينة بحنان ؛؛
ناجيته ، و كيف لى أن أرفع حاجتى إلى غيره ؟!!!

يارب ، تعلمُ أن لسانى مشقوق ، يُـعجزهُ الشكر ، ويستحيى من الطلب ،،
فاقدر لى وله ولهم كل الخير يا خير قادر ....
وارضنى بقضائك وقدرك مهما كان ، وأياً ما يكن ....


وهذه المرة ، توقف الزمن ، ولم تتوقف الأحداث ؛؛

فأى حدثٍ أعظم من الوقوف بين يدى الملك والتضرع إليه بدمعٍ يعلم أنه ما جرى إلا حباً له وطمعاً فى كرمه ؟!

حتى استسلمتُ لأمنةٍ نُـعاسا ..... فى المحراب !!




*...*...*



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


نظرتُ باستغرابٍ إلى الرجل الذى فتحتُ له الباب لتوى وقد بدا عليه شديد الإنهاك ؛؛
بعد برهة قلتُ بنبرة المُـندهش : " خـــالــــى ؟!!!! "

ابتسم خالى قائلاً : " كيف حالكِ يا روان ؟ وأين هى فرح ؟ "

اندفعتُ إليه قبل أن يُـتمّ سؤله : " خالى ؛ هل أنت بخير ؟ هل أصابكَ مكروه ؟ "

ربت خالى على كتفى : " اهدأى روان ، أنا بخير "

قلتُ بهلع : " لماذا لم تذهب إلى المستشفى إذن ؟ هل حدثت مشكلة ؟ "

تنهد مبتسماً بتعب :
" كل شىءٍ على ما يرام يا روان ، لن أذهب للمستشفى اليوم لأنى سأذهب مع صديقٍ لى لأوصله المطار "

حدقتُ فيه بتعجب .... صـديـق !!! .... هل لخالى صديق ؟!!!!!!!!


ولكنه قطع أفكارى قائلاً : " روان ؛ أنا جائع ؛ هلّا جهزتِ لى بعض الطعام ؟ "

ابتسمتُ بسرور : " سمعاً وطاعة يا خالى "
قلتها وأسرعتُ الخطى باتجاه المطبخ ، بينما دلف خالى إلى الشقة وأغلق الباب وراءه ...


جهزتُ الطعام الذى أنهيتُ تحضيره منذ ساعة – لأُطعم فرح وأتركها تنام قليلاً –
فمنذ أسبوع أو أكثر ؛ ما عاد خالى فارس يتناول الغداء معنا ؛؛
وصرتُ افتقده كثيراً بعد أن أصبح غيابه عن البيت يأخذ وقتاً مضاعفاً ....


انتهيتُ فى غضون دقائق ، ووضعتُ الأطباق أمام خالى الذى يكسو وجهه الإعياء ؛
وقد أضحى حاله هكذا منذ أن ذهب للإشراف على الأطباء فى تلك المستشفى ؛؛


سألته بحذر :
" خالى ؛ ذكرت أنك لم تذهب للمستشفى كى توصل صديقاً لك ، هل أعرف ذلك الصديق ؟ "

زفر خالى مجيباً :
" لا يا روان ، إنه شاب مهذب تعرفتُ عليه منذ وقتٍ قصير ، وهو جار نهى بالمناسبة .... اسمه سيف "


أومأتُ برأسى محاولةً كتم تعجبى ،،
لا أذكر أن خالى صادقَ أحداً من قبل ، ولم يطلق هذا اللقب أبداً " صديقى " على أىٍ من زملائه فى الدراسة أو العمل ؛؛
رغم أنه بقى مع الكثير منهم فترات طويلة .....!!!!!


ولكنى سارعتُ لأسأله مغيرةً دفة الحديث :
" أنت لم تقابل نهى اليوم ، ألا تعرف كيف صارت الآن ؟ "

نطقت بالحزن ملامحه : " اتصلتُ بمهند فأخبرنى أنها لم تذهب للمستشفى اليوم "


وكـ فعلٍ لا إرادىّ ، سرت رعشة فى بدنى ؛ كالبرق حين يؤثر على أسلاك الكهرباء ،،


( مـهـنـد )
لم يذكر خالى اسمه أمامى مذ وبخنى على فعلتى بعدما ذهب إليه مهند فى الجامعة ...
فهل يظن أحدكم أن غياب الحديث عنه يعنى غيابه عن مخيلتى ؟!!!

ما فتأ عقلى يذكره ، وما برحت الأحلام مقلتى اللهفى لحلمٍ بلون الورد يلوّن عالمى الحالك ...

كيف لى أن أنفذ وصية خالى بألا أفكر فيه ؟!
هل يمكن إقصاء النحل عن البستان بعدما طابَ له رحيق الورد ؟!!!
وهل يمكن تنحية الطير عن غصنٍ بنى فوقه عشا ؟!!!


ولكنه التفكير المؤلم ، التفكير الموقن ببعد واستحالة ما يرجوه ...

كيف لمهند أن يحبنى ؟ وكيف لمثلى أن تحِـب ؟

فى قلبى عشقٌ يحلو بالعذابِ والشوق ، كالنهر لا يتدفق إلا بالمطر والبرق ...
فأنى له أن يزول وقد استمكن منى ، واحتل الشريان والوريد ؟!!

ولكنى لن أؤذيه ، لأنى لأحبه لن أفعل ؛؛
لن أفرق بينه وبين أهله ، لن أكون جبلاً يحول دون تقدمه نحو السعادة ....


صرتُ اتبنى نظرية خالى ، ولكنه تبنٍ جائز ، لا يحرم علىّ أبدا ...
وأنا أجدر بتبنيها من خالى ، فعذرى أقوى من عذره ،،،


انتبهتُ من شرودى ، فلاحظتُ وجوم خالى ؛؛
ناديتُ عليه عدة مرات ولكنه لم يستجب ، فوضعتُ يدى على كفه ، فانتفض جسده ..

قلتُ بسرعة : " آسفة يا خالى ، لقد كنتَ شارداً "

تنهد معتدلاً فى جلسته : " لا عليكِ روان "

تأملتُ وجهه الحزين بإشفاقٍ وحنان ،،
إلامَ ستظل تتعذب يا خالى ؟!

قلتُ بجدية :
" يجب أن تذهب لتطمئن على نهى يا خالى ، وأيضاً تعتذر من والديها ، فما فعلته فى حق ابنتهم لم يكن سهلاً أياً كانت نيتك "

تنهد من جديد :
" كنت سأفعل ذلك بالأمس حينما أوصلتها إلى بيتها ، ولكنى لم امتلك الجرأة الكافية لذلك ، أدركتُ أننى أخطأتُ مئة مرة ،،
ماذا سأقول لوالدها ؟!
اعذرنى لأنى لم أخبرك بحقيقتى ؟ أم سامحنى لأنى حطمت ابنتك ؟ أم أننى اعتذر لتأدية الواجب وليس بإمكانى تدارك أخطائى ؟ "


ومزق الالتياع أحرف كلماته القاسية ، فقلتُ بعصبية :
" وإلى متى يا خالى ستظل أفكارك محاصرة بوهم الخطر ؟! إن كان قلبك يحتمل الهجر لأجلها ، فالفتاة ليس لديها مثل جلدك ؛؛ ألا تشفق عليها ؟!! ألا تُـلينك دموعها ؟!!! "


كان ينظر لى بذهول ، حتى ارتخى فى مقعده وأسبل جفونه بعد أن طوّق صدره بذراعيه ،
قائلاً بخفوت :
" هكذا أضمها ، كـ طفلةٍ يحن إليها والدها بعد عقودٍ من سفر ،،
تقابله بدموعها وتشكو إليه منه طول غيابه ،، حتى يضجّ رأسها ، فيرتخى على كتفه ؛ لتنام ببراءة صبية ؛
وتنسى لمَ كانت تبكى ، ولماذا انهمرت دموعها حارقة على صدره ،،
حينها يعلم أنه الأمان فى نظرها ، ولكنه يعلم مسبقاً أنه الخطر بعينه ....

وبعد لحظات أدرك أنها ليست طفلتى ، ولا زوجتى ، بعدى عنها كـ بعد المشرق والمغرب ،،
ما عاد وجودى قربها مباحاً ، بل إنه إثمٌ وخطيئة ...

وأقضى دهراً أقنع ذاتى بأن طريقى معاكسٌ لطريقها ،،
وإن اعترضت خيلى خيولُـها عليه أن يفر ، ولا يكر ،،
ولكن حصانى يأسره الحنين إليها ، فينسى دروساً لقنته إياها ، ويهرع إليها كلما رآها ....
فيا ويح إقباله ، ويا بؤس إقدامه ! "


نهضتُ بسرعة لأمسح دموع نبله ،، فدفن رأسه فى صدرى وبكى ؛؛
بكاءً قضى على رمقى الأخير وعجّـل بخروجه ؛؛
بكاءً تتمزق على إثره أوتار التحمل فى نفسى ...

طوّقت رأسه الذى يحمل عقلاً أشرفَ منه ما وجدت ، وشاركتْـهُ قيثارتى تلك المعزوفة الشجية التى لم أسمعها من قبل ...

ليس لخالى الجسور أن ينهار وفى صدرى خفقاتٌ تتكرر ، وبين أضلاعى نفسٌ يتردد ؛؛

جمعتُ الكلمات بصعوبة تلميذٍ يتعلم ترتيب الكلمات وتكوين جملة لأول مرة :
" سامحنى يا خالى ، سامحنى أرجوك "

لا أعلم كيف أجابنى : " دعينى أمهد الطريق كما رسمته يا روان ، صدقينى هذا هو الخير "

لم يتوقف بكائى ، ولم يبتعد خالى عنى ...
ولا أعلم من يحتمى بـ من ؟!!!!



*...*...*




نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



فتحتُ عينى ببطء وأنا أشعر بثقلٍ شديد فى رأسى يجبرنى على إعادة إغلاقها ؛
ولكنى حاولتُ ألا استسلم لذلك الثقل أو هذا الطنين الذى يدوى فى أذنى ...

ظلت الصورة تهتز باضطراب حتى استقر وجهها المبتسم بقلقٍ أمامى ، أو بالأحرى ؛ حتى استطاع عقلى تمييزه ؛؛

" أخيراً استيقظتِ "
قالتها وهى تضع كفها على جبينى وتمسح عليه وعلى مقدمة شعرى ،،
فارتاح رأسى المُـثقل بلمسة الحنان منها ، وأغمضتُ عينى بهدوء وكأنى مُـخدّرة ...

قربت من فمى كوباً من الماء ، فشربته وأنا أحس بالعطش فجأة ،،
وبعدها سألتها : " كم الساعة الآن ؟ "

أجابتنى : " الخامسة عصراً "

قلتُ بتعب : " هل نمتُ كل ذلك الوقت ؟!! أين هدى ؟ "

ردت أمى :
" لقد سهرنا بجواركِ طوال الليل ، حتى أنها لم تذهب إلى عملها اليوم ، واستبد بها التعب فنامت بعد أن صلت العصر "

أومأتُ برأسى بينما ساعدتنى أمى على الجلوس وشُـرب بعض العصير الذى كنتُ احتاجه بشدة ؛؛

تذكرتُ شيئاً مفاجئاً ، فقلتُ بسرعة : " أمى ، هل سافر سيف ؟؟؟ "

نظرت بحزنٍ قائلة : " لا يا ابنتى ، سيسافر بعد المغرب إن شاء الله "

تنهدتُ بألم : " حسناً يا أمى ، لا تقلقى علىّ ، سأذهبُ لاغتسل "

تبسمت أمى بصعوبة :
" حسناً ، هذا أفضل لكِ ، وأنا سأذهب لتحضير الطعام ، وبعدها أوقظُ هدى "

غادرت أمى الغرفة ، وتركتنى فى ملوحة الأحزان التى تمتص خلاياى وتترك كيانى متيبساً ...


يا فارساً نام بجواره جوادى ، فأطاعه دون لجام ....
أفدى خوذتكَ بروحى ، فهل سيكفر هذا عن خطأى فى حقك ؟؟؟

( الخائن ) ...... كيف ظننتك كذلك يا أشرفَ الأمناء ؟!!!
( المجرم ) ..... ليتها فُـقأتْ تلك العيون التى قرأت خبراً مّـسَّ فيه نبل أخلاقك ...


فارسٌ لم يكن يوماً سوى قائد الفرسان ، فهل سَلِمَ فارسٌ يوماً من الخونةِ والجبناء ؟؟؟

يا الله ، أشعر أنى اتمزق ، اتلاشى ....
كل ما أخبرنى به مهند ، وكأنه كابوسٌ تحيا فيه جوارحى ،،

فارسى البطل الأصيل الذى أبى أن يُـحنى رأسه للفساد ، وكاد أن يموت دون ذلك ؛؛
آثر أن يشوّه صورته أمامى على أن يقتادنى قلبى إلى مجابهة الخطر معه ...

وأى خطرٍ يا فارس أعظم من خوفى عليك وأنت بعيدٌ عنى ... ؟!
لماذا تحملت كل شىء وحدك دون حتى أن تخبرنى ؟!!
وكيف استطعت الصمود أمام إهاناتى واتهاماتى ؟!!

صارعتَ الأمواج لتنقذنى ، ألا تعلم أن روحى غرقتْ حين غرِقتَ ؟؟
فهل لجسدٍ أن يعيش بسكينة إذا انتُـزعتْ منه روحُـه ؟!!

وها أنت من جديدٍ تلفظنى وتبعدنى ، غير آبهٍ لفؤادى الذى طارت حجراته الأربع فى الاتجاهات الرئيسية الأربعة خوفاً عليك وحزناً وألما ....
وجُـلّ ما يؤلمنى هو كتمانك لتلك الأوجاع ، تنهشُ أحشاءَك ، وتأبى ملامحك أن ترسم على صورتك ألما ؛؛
لـ تظل أنتَ المبتسم الحانى ، حزينَ القلبِ بلا قولِ ...

فلماذا لا تدع كفى تحمل عن كاهلك شيئاً يا فارسَ حلمى الذى يرفض واقعه الجمع بيننا ؟!!

لا أعلم كيف طرتُ إليه بالأمس بعدما أخبرنى مهند بما كنتُ أجهله ...!
ولا أعلم كيف نمتُ على صدره وسط دموعى ودموعه ، وآلامى وآلامه ؟!!

هو دفء قلبه الذى يذيب برودة الأيام من حولى ، فيتهادى الأمان إلى روحى التى تعلم أنها وجدت شطرها الذى ضحى بكل شىء من أجلها
فـ كيف لها أن تستقر بدونه ؟!! أو أن تهنأ فى هجره ؟!!!

صدقنى يا فارس ، أنا لن أتركك ....


كفكفتُ دموعى وقمتُ من سريرى لاغتسل ، وأنا اتذكر حديثه بالأمس حين أوصلنى للبيت ،،
وأخبرنى بتطورات الأمر بين مهند وروان ، وكذلك صداقته لسيف وأنه سيوصله للمطار اليوم ،،
وأنا أخبرته عن قدوم والداى ، وكل ما مررتُ به فى غيابه ...

بعدما اغتسلتُ ذهبتُ إلى المطبخ ، فوجدتُ والداى وهدى ينتظروننى على الطاولة ،،

تناولنا الطعام فى صمت ، وأفكارنا تدور حول فارس وسيف ...
والداى اللذان يحملان همى ، وأبى الذى يؤلمه سفر الشاب الأمين ،،
وأمى التى تشعر أنها ستفارق فلذة كبدها ، وهدى التى تتألم لوداع حبيبها ...

وأنا .... على وشك الانهيار التام ؛؛
بين حبيبٍ يرفضنى خوفاً علىّ ، وبين جارٍ أعده أخى ومصدر ثقة وأمان اعتمد عليه فيهما ...
وأيضاً ، وجعٌ يدبُّ فى أوصالى ؛؛ وكأنى سأودع .... أخى الشقيق ..!!



*...*...*




نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



أنهيتُ الاتصال ونظرتُ لعيون أمى التى أخفتها الدموع ، والتى قالت باكية :
" ألا يمكنك تأجيل السفر أسبوعاً آخر "

اقتربتُ منها مبتسماً : " أمى تُـشعريننى أنى سأرحل للدار الآخرة ، وليس ... "

قاطعتنى بلوعة وهى تقربنى إلى صدرها :
" أبعد الله الشر عنك يا بنى ، ما الذى تقوله ؟!!!! "

قلتُ بهدوء : " لماذا تبكين منذ الأمس إذن ؟!! "

مسحت على شعرى : " أنت لا تعرف قلب الأم يا بنى ، لا تعرفه أبداً "

رفعتُ رأسى لأواجه عينيها وأمسح الدمع عن وجهها هامساً :
" بل أعرفه يا أمى ، فقلب الأم داخل قلب الابن ، كيف له ألا يشعر بوخزٍ فيه سَـرَى ؟!
وها أنذا لم أفارقكِ منذ البارحة ، حتى الإجراءات الأخيرة تكفل فارس بقضائها عنى وأنا أتابعه بالهاتف فقط ، وتعلمين ما هو فيه "

تنهدت أمى :
" ذلك الرجل نادر الوجود يا سيف ، منذ أن أخبرتنى بحكايته ولسانى يلهج بالدعاء له فى كل لحظة ، جزاه الله خير الجزاء "

ابتسمتُ لها :
" اللهم آمين ، صار لكِ ابنٌ آخر يأخذ مكانى فى الدعاء "

ضمتنى بسرعة : " كيف تظن ذلك ؟!!! من ذا الذى يأخذ مكانكَ فى الكون بوسعه ؟!!! "

سحبتُ جسدى وقلتُ بمرح :
" يا أمى أنا أمزح ، أقسمُ بالله أنى أمزح "

ضربتنى على رأسى بغيظ ، بينما انفجرتُ فى الضحك ، وحينما انتهت تلك النوبة أعدتُ رأسى إلى حجرها ....
وسالت الدموع الدافئة ... ببطء


أضحكُ يا أمى لأخففُ عنكِ الحزن ، لأخفى عنكِ ألم الفراق ، يا من لا أعرف فى الكون سواها ...

هل تظنين أن فراقكِ لا يحفر فى قلبى نفق الأحزان ؟!
والله إن له ألماً قاتلاً تتقطع له نفسى التى بين جنبىّ ...


إن فارقكِ جسدى فروحى ستستقر على كفيكِ ، لتضميها بحنانكِ المرتعش وقلبكِ المرتجف الذى يخشى عليها من النسمة الباردة

سأترك عينىّ عندكِ لتستقبل وجهكِ مع زقزقة عصافير الصباح ، وأنفاس الفجر الرطبة ، ونفحات الإشراق العليلة ،،

سأترك فمى الذى تطعمينه بيديكِ المتفانيتين ، سأترك أذنى التى تشدينها بمرح كلما مازحتكِ ، وتهمسين فيها بقصة الجميلة والوحش ،،،

سأترك رأسى كى ينام على صدركِ ، وأترك شعرى كى يحظى بلمسة كفكِ ...

سأتركنى هنا ، ويرحلُ طيفى باحثاً عن أصلٍ له يا أمى ، وأنتِ الأم ، وأنتِ الأصل ؛؛؛
ولكنها الأعراف التى لن اتخطاها ، والحدود التى لن اتجاوزها ....


سأرحلُ يا أمى وآخذ معى قلبكِ الذى يحيطنى فى أى بقعةٍ أنا فيها ؛؛
فهو البوصلة التى توجهنى ، والشراع الذى يحركنى ....

سأرحلُ وأحمل معى صندوق الذكريات ، هنا يقف اليوم الذى كُـسر فيه ذراعى بعدما حاولتُ تسلق شجرة ،،
وهنا تجلسُ الساعة التى أخبرتكِ فيها بنجاحى فى المرحلة الثانوية ....

ساتحركُ بعيداً عنكِ ، وتتحرك معى الصور لتتحرر من غلافها الذى يشبه السجن ،، وتتمايل من حولى لترسم على وجهى بسمة ، وتبعثُ من حلقى ضحكة ،،
فهذه كنتُ أقبّـلُ فيها كفكِ ، وتلك كنتُ أداعبُ فيها قلبكِ ....


سأغادرُ يا أمى وآوى إلى حضنكِ كل عشيّـة ، لأقص أنا عليكِ ما يلاقيه الوحش الذى رحل من أجل جميلته ،،

سأدفن ذاتى المبعثرة فى ذلك الحضن الدافىء ، لتعود مكتملة ؛ لا خدش فيها ، ولا غبار عليها ....


رفعتُ رأسى إلى وجهها الذى يغرق فى دواماتٍ مالحة من الدمع الكريم ،،
فامتدت أناملها الضعيفة تمسحُ على وجهى الدامع كـ وجهها ، وكأنها تنقشُ ملامحه فى ملامحها ،،،
تلك الملامح التى شبّـت بين ذراعيها ، والوجه الذى لم يألف سوى عينيها ،،

انحنيتُ على كفها أقبله ، أبثه امتنانى ، شكرى وعرفانى ...
واختلطت القبلات التى عاشت محبوسة من أجل تلك اللحظة ،،
لحظةُ فراقِ ابنٍ لأمٍ لم يَـمُـنّ اللهُ عليهِ من الأهلِ سواها ، وفراقِ أمٍ أفنت عمرها لفتًـى صَـدِأَ السيفِ ثَـلِـمَـه عوضها اللهُ بهِ عن فقدان أحب البشر .....


أغرقت دموعى كتفها ووجهها ، وانحنيتُ لأقبل قدمها ،،
فنزلتْ على الأرض جوارى عالٍ بكاؤها ، صاخبةٌ شهقاتها ،،
تقبل جبينى ورأسى ، وتخبئنى بين أضلعها التى ضعفت عظامها ،،،


وبعد زمنٍ لا أعلم مداه ، انسل جسدى من حضنها ، وانسلت روحى من جسدى فى نفس اللحظة ،،

اتجهتُ ناحية الباب وصيحاتها توشكُ أن تُـثنى عزمى عما نوى ، فلا طاب لى عيشٌ تدمع له مآقيها ،،

ولكنى سأذهب لبيتٍ فيه تعيش ملاكى ، سأودعها وأودع أهلها ،،
غير أن أمى هرولت نحوى ، فأخبرتها عما أنوى فعله ،،
فأصرت ألا تفارقنى ، هذا أفضل ؛ ساطمئن عليها حين أمضى وأتركها معهم ...

طرقتُ الباب وأمى إلى جوارى ، وبعد لحظة فتحته نهى ،،

تأملتها هنيهة ، وما إن رأتنى حتى تدفق الدمع من عينيها غزيرا ، واختنق صوتها لتفسح لى ولأمى الطريق ،،

لم استطع قول أى شىء ، ولا التحرك من مكانى قيد أنملة ؛؛

( نـهـى ) ....
لو علمتِ ما أكنه لكِ ؛ لاستغربتِ من قولى ، وما تمنيتُ فى حياتى شيئاً قدر أن تكون لى أختٌ تشبهكِ فى كل شىء ؛؛


وجهتُ رأسى باتجاه صوت العم الذى قال مرحباً :
" سيف ، منذ متى تقف هنا ؟ تفضل يا ولدى ، تفضلى يا أم سيف "

تنحنحتُ قائلاً :
" كيف حالك يا والدى ؟ أتيتُ لأسلم عليكم قبل رحيلى "

اقترب العم منى مصافحاً ومعانقاً ، بينما أمسكت نهى بأمى وأدخلتها للشقة ،،

وبعد دقيقة خرجت أم نهى من إحدى الغرف ، وحينما وقع بصرها علىّ تسمرت فى مكانها ،،

اقتربتُ منها خطوة : " أراكِ على خيرٍ يا والدتى "

وما إن أتممتها ، حتى انفجرت قذائف الدمع التى لا يُـجرّمها قانون ،،
وعلا صوت بكائها ، وشاركتها أمى ونهى ،،
حتى شعرتُ بالتيه ، وصرتُ لا أميز أياً من الثلاثة أمى الحقيقية ....!!


تلفتُّ حولى وعينى لا ترى سوى الدمع الذى يغطيها ، ونظرتُ لعمى متسائلاً ، فأجاب :
" هدى ذهبت إلى الحديقة يا بنى ، كانت متعبة قليلاً ، سأبلغها سلامك عندما تصل "

اعتصرتنى قبضة شائكة ،،،
هل ما عادت تريد رؤيتى ؟!!
أم أنها تخشاها ؟!!!

بعد وقتٍ قصير ، استأذنتُ منهم ، تودعنى الشهقات الباكية ، وعمى الذى أصر على إيصالى ولم يقتنع إلا بعد زمن أن صديقى سيوصلنى بالفعل ،،،

لاحقتنى الدموع حتى باب البناية ، ومشيتُ بضع خطوات ؛ هى آخر ما سأخطوها على تلك الأرض التى تربيتُ عليها ،
والتى أحملُ لها فى نفسى حب المنشأ ....

و .... اتجهتُ صوب الحديقة حيث تتوارى حبيبتى ،،،
سأراها ، وإن كان هذا آخر ما سأفعله فى حياتى ...!



*...*...*




نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة




وقفتُ أراقب الشمس التى تنتحر وتلقى بنفسها من فوق بناية المشرق ، لتتلقاها أنفاق المغرب السحيقة ؛؛؛

لماذا يرتبط الوداع بالغروب دائماً ؟!
لأن فى الغروب ينتهى كل شىء ، النهار ، الضوء ، العمل ..... جميع مظاهر الحياة المألوفة ،،
وكذلك وداع من تحمل له فى قلبكَ شيئاً ؛؛؛

كنتُ أعلم أنى لن استطيع تحمل هذه اللحظة ، لحظةُ وداع الرجل الذى منَّـتنى عينه بأحلامٍ بكل ألوان الزهر ،،
ولذلك جئتُ إلى تلك الحديقة ،،،

أخشى أن تتوقف حياتى إذا ما رأيته يلوّح لى بكفه مودعاً ،
وما أخشى على نفسى ، وإنما أخشى على قلبه أن يتأذى ....

انحدرت الدمعاتُ من عينى ، وعلى كل قطرة تنعكس صورة الشمس التى تنتحر ،،
وذلك الشعاع الواهن الذى يخترقنى ، مبرهناً على أنى أشد منه وهناً ...

حتى حالَ ظلٌ منيعٌ بين ذلك الشعاع وبينى ، فرفعتُ عينى ببطء حتى وجدتُ وجهاً أحب صورته المنعكسة فى عين من يراه ،،
فما بالكم بالأصل ؟!!!


فركتُ عينى عدة مرات ليزول ذلك الوهم عنى ،
ولكن السد القوى ظل راسخاً فى مكانه ، حتى ابتسم هامساً :
" هل تهربين منى ؟! "

استمرت دمعاتى فى الهطول ، وجفّ حلقى ، تخاطبه عينى بصمت ، حتى سألتُ بألم :
" لماذا ستسافر ؟؟ "

تنهد بتعب قائلاً بخفوت :
" لو لم أقابلكِ يوماً لما فكرتُ فى السفر ، سأسافر لأقضى شيئاً مهماً قبل أن اتزوج "

قلتُ دون وعى : " خذنى معك "

نظر لى بحنانٍ هادىء ، فأطرقتُ برأسى خجلاً مما قلته لتوى ، بينما جاء صوته عميقاً :
" أجـل ، سـأفـعـل "

رفعتُ إليه عينى باستغراب ، فى حين امتدت يده إلى كتفى ،،
لم أفهم ما الذى فعله إلا عندما وجدته يلف وشاحى حول كتفه ، ويضغط عليه قائلاً :
" هكذا أنتِ معى "

أغمض عينه ضاغطاً إياه أكثر ، حتى لمحتُ دمعة أسرع فى إزالتها قبل أن يقول :
" هاتى يدكِ "

رفعتُ يدى فأمسك بمعصمى وأخرج شيئاً فضياً من جيبه ، وضعه فى أصغر أصابعى ؛؛
نظرتُ للخاتم الفضى الصغير ، ذلك الذى رأيته تحت وسادته ،،
فقال هامساً :
" هو أغلى شىء امتلكه فى تلك الحياة ، احتفظى به ، وإن طال غيابى وانقطعت أخبارى ؛ أعيديه إلى أمى ، واطلبى منها أن تخبركِ قصته و .... قصتى "

حدقتُ فى وجهه بتعجب ، فابتسم بشرود ناظراً للأفق ،،

كنتُ على وشك أن أسأله عما يعنيه ، ولكنه أعاد نظره إلىّ ...
بقيت عيناه مثبتتان على عينى زمناً حتى نسيتُ أنى أقف على قدمى ، أو أننى أعيش على الأرض ؛؛
حتى قال من الأعماق : " أهــــــــواكِ "

شعرتُ أن قلبى سيقف ، واستمر نزيف دمعى الحار ،،
فبسط كفه تحت وجهى والتقط بعض قطراتٍ قرَّبها من أنفه وقال بحب :
" دموعكِ عاطرةٌ يا ملاكى ، ولا يحق لملاكٍ أن يبكى ... أرجوكِ ... من أجلى "

مسحتُ دمعى ناظرةً له بقلبى المتيم به ، وحينها توارت الشمس خلف الأفق ،،
وأعلنت ساعتى أن حياتى أوشكت أن تتوارى عن عالم الأحياء

ترحالكَ شىءٌ يتجدد
ولقانا شمسٌ غائبةٌ
فى رحمِ الغيبِ ولم تولد
أنا قلبى موقدُ أحزانٍ
ودموعى زيتٌ تسكبهُ ...
عيناىَ على نارِ الموقد
قد عشتُ أخافُ أودعكَ
أو يوماً حلمى يتبدد
وبرغم الخوفِ تفرقنا
ورحلتَ أيا حبى الأوحد
ما زلتَ حريقاً فى قلبى
حباً ومشاعرَ تتوقد
لمَ لا تبقى وأنت العمر ؟
وحبٌ فى قلبى غرد ؟
يا أعظمَ حبٍ أعطانى
قلبى وهواكَ على موعد

ترحالكَ ضيَّـعَ أيامى
إن ضاعَ العمرُ فهل يرجع ؟
أنا أسألُ نفسى أحياناً ...
من فينا ضاعَ ومن ضيَّـع ؟
أنا بعدكَ حلمٌ مجروحٌ
أنا نهرٌ تاهَ عن المنبع
سفنى فى عينكَ راحلةٌ
تنتظرُ وداعكَ كى تقلع
ما زلتُ أخافُ أودعكَ
وأخافُ عيونى أن تدمع
قد يطفىءُ دمعى نيراناً
تأكلُ فى القلبِ وفى الأضلع
أو يغرق طيفكَ فى دمعى
أخشى إن راحَ ...... فلا يرجع !!



*...*...*



أصدر هاتفى رنيناً ، ففتحته لأرد على فارس ...
سأذهبُ بعد دقائق لأقابله فى المسجد لنؤدى صلاة المغرب ، وبعدها يوصلنى إلى المطار ؛؛؛

نظرتْ إلىّ فتاتى بعد أن أغلقتُ الاتصال ...
" هل هذا هو فارس الذى .... أعرفه ؟! "

تنهدتُ مجيباً : " أجل ، إنه هـو "

تتابعت نظراتها المندهشة ، فقلتُ :
" لقد صرنا صديقين ، والفضلُ لكِ بعد مشيئةِ الله سبحانه وتعالى "

تمتمتْ : " ولكن .... أقصد ..... "

قلتُ بهدوء : " أنا أعرفُ كل شىء "

حدقت فى وجهى بتعجب ، فأردفتُ :
" لقد أخبرنى فارس بكل شىء ، وأرجو أن تنتبهى على نفسكِ ، وعلى نهى أيضاً "

أومأتْ برأسها ، فنظرتُ فى ساعتى قائلاً :
" أنا .... سأذهبُ الآن "

نظرتْ لى بلوعة ، فأصابت نظرتها فى قلبى حزناً تفجر عند فراقها ، وأسرعتُ قائلاً :
" أرجوكِ ، لا تبكى من جديد "

حبست دموعها ونظرت لى بألم ، فهمستُ بكل ما فى قلبى العاشق :
" انتظرينى ، سأعود لأجلكِ "

كنتُ أعلم أنها تجاهد لتكتم دموعها ، وأنا أجاهد لأمنع نفسى من التهور غير المحمود ؛؛؛
فكم أحبسُ أناملى عن مسح دموعها ،،
وكفىّ عن التربيت على كتفها ؛؛
وذراعىّ عن الضغط على رأسها ، وحملها والطيران فى السماء بها ؛؛؛

ضغطتُ على وشاحها أكثر ، وكأن ضغطى سيطولها ، وسيشعر بحب كيانى وشاحُـها ،،

لوحتُ لها بكفى مغادراً الحديقة ، وما استطعتُ حبس دموع قلبى ، وما استطاع ملاكى حصار دمعه الزاكى ،،

بدأت أنفاسى تختنق ... أكثر ... وأكثر ....
حتى شعرتُ أنى محبوسٌ فى غرفة لا هواء بها ...

ما أشق على النفس أن تفارق حبيباً لها ،،
فتنزف جوارحها ولا يرى ذلك النزف سوى الروح التى نزفت لأجلها ....


لأجلكِ يا ملاكاً صرتُ أسيرَ جناحيهِ أغادر ...
لأجلكِ تركتُ أرضاً فى أحضانها ترعرت ،،
لأجلكِ فارقتُ أماً هى أغلى عندى من نفسى ،،
لأجلكِ سأرحلُ غريباً وحيداً ، بلا أهل ، بلا مأوى ...

لأجلكِ أغادر ... لأجمع وردات العالم كلها ، وأجعلها تاجاً حول شعركِ
لأجلكِ أتوهُ بين البلاد ، واغتربُ بين البشر ....

لأقول للشمسِ أنكِ فتاتى ، وأقول للقمر أنكِ ملاكى ...

فترسلُ خيوطُ الشمسِ دعوةَ عرسنا لكل كائنٍ يحيا على هذه البسيطة ؛؛؛
ويقيمُ ضوءُ القمر حفلَ زفافنا فى كل بقعةٍ على ظهر الأرض ؛؛

لأجلكِ أجوبُ البحار ، وأقطع الوديان والفيافى ،،
وأرسلُ لكِ حبى فى شريطٍ أحمر ، يحمل قلبى إليكِ فى عنق الحمام الزاجل الذى سيصلكِ برسائلى ؛؛

إن عانقت أنفكِ نسمة فواحة العطر ، فاعلمى أنى بعثتها عبر الأميال إليكِ ؛؛
وإن سقطت الأمطار على وجهكِ الجميل ، فثقى بأنها دموعى حملتها الغيمات لتراها مقلتيكِ ؛؛
وإن تناثر الزهر حول شرفتكِ ، فتيقنى من أنها قبلاتى أمسكت بها العصافير وزرعتها شاديةً أمام عينيكِ ؛؛

لأجلكِ أفارقكِ ، وقلبى عندكِ ....
لأعودَ إليكِ حاملاً على راحتىّ قصراً ستكونى أنتِ ملكته .... يا ملاكى ...

مهما نسافر ....
أو نغيبُ ونبتعد
حبى أنا شىءٌ ... سيبقى للأبد
قلبى يسافرُ فى عيونكِ دائماً
ويكونُ أقربُ ما يكونُ ... إذا بعد
نفسُ المشاعرِ بيننا
لو صرتِ فى بلدٍ ... وقلبى فى بلد
فالحب فى الأرواحِ يسكنُ دائماً
من قال أن الحب يسكنُ فى الجسد ؟!
حتى وإن مِـتنا وأصبحنا ترابا ...
فقلوبنا تحت الترابِ .... سـ تتحد ..!


قابلتُ فارس فى المسجد ، ولم يكن حاله أفضل منى ،،
ولا عجب ؛ فما كان بينه وبين نهى بالأمس ليس سهلاً ؛؛

وبعد أن صلينا المغرب ، أوصلنى فارس إلى المطار ، ومضى وقت قصير نتبادل فيه أحاديثاً عامة ،،
حتى حان موعد استقلال الطائرة ....

عانقته ، وبكيت ...
صديقى البطل ...
أنت أخى يا فارس ،،
ليت بإمكانى مساعدتك ....


ارتفعت الطائرة فى السماء ،
فألقيتُ نظرة أخيرة على المطار ، وفيه صديقى يلوح لى بكفه ،،
ومن بعيد ... لاحت المدينة ....

وبعدها رحلة الغربة التى لا أعلم ماذا تخبىءُ لى .....

(( من أناشيدى المفضلة ، للمنشد أبى ريان ))




وداعاً هكذا الدنيا لقاءٌ ثم نفترقُ
كحالِ الشمسِ قد مالت وراحَ يلفها الشفقُ

وداعاً لا تلم قلباً طواهُ الهمُ والقلقُ
وداعاً لا تلم قلباً إذا ما ظل يحترقُ

سنبقى مثلما كنا لدربِ الخيرِ نستبقُ
سنبقى مثلما كنا زهوراً زانها العبقُ

زهوراً تنتشى أملا يجددُ ريحها الفلقُ
وداعاً هكذا الدنيا لقاءٌ ثم نفترقُ
فشمسُ البينِ قد رحلت كسيفاً وهى تحترقُ


*** *** ***
يُـتبع بإذن الله ...
*
*

كتبته فى أسوأ حالاتى ، فأرجو أن تقبلوه



دعواتكم يا أحبة
amira habiba غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-19-2012, 12:22 AM   #339
M Mahmoud
 
الصورة الرمزية M Mahmoud
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
المشاركات: 115
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

هو جميل بحق
يسر الله امركِ وفرج همكِ
M Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2012, 06:27 PM   #340
amira habiba
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 96
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

اللهم امين يا رب العالمين
amira habiba غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2012, 12:31 AM   #341
M Mahmoud
 
الصورة الرمزية M Mahmoud
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
المشاركات: 115
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

ايه يا أميرة مش عندك فصول تانى ولا ايه ؟

M Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2012, 01:43 PM   #342
amira habiba
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 96
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

حالا باذن الله
amira habiba غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2012, 01:51 PM   #343
amira habiba
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 96
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


•·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•



" الفصل التاسع والثلاثون : خاتمُ الذكرى "



(( ما هو الوطن ؟
هو تلك الأرض التى تشعرُ أن كل ما فيها مختلف ...

ماؤه وهواه ، أرضه وسماه ، شمسه وقمره ، صبحه ومساه ؛؛
كلها أشياءٌ لا تتشابه فى وطنك وأى بلدٍ آخر ؛؛
حتى تحسبُ فى نفسك أنها تتكون من جزيئات غير معروفة ، ولا مألوفة .


الوطن .... أرضٌ لا تعرف أى عشقٍ تحمله لها إلا عندما تقابلها بعد غياب ؛؛
وفى حالتى أنا ... عندما تلتقيها للمرةِ الأولى ..!

كانت أمى تحكى لى عن الوطن كثيراً ، ولكنى أحببتُ الأرض التى رتعتُ بين روابيها ؛؛
وما علمتُ أن حب الوطن نمى بين أضلاعى ، وتفجر ينبوعه فى اللحظة التى وطئت فيها قدمى ثراه ...

فى ذلك الانتقال اللحظى الذى حدث عندما انتقلت قدمى من بوابة المطار إلى أرض بلدى الحر ؛؛
شعرتُ أنى انتقلُ بين عالمين ، وكأنى اختبىء فى عالم أليس العجيب ، أو أجوب الفيافى مع سندباد البحار .


عانقنى الهواء بقوة ، عانقنى يعاتبنى ، عانقنى ليغرس فى روحى بذور الكرامة ،،
أغمضتُ عينى وتركتُ طيفه يحومُ حولى ،، عملتْ أنفى بجدٍ وكأنها تمتصه ليتضلع منه صدرى ؛؛
وتراقصت خصلات شعرى بسعادة فرحيقه ينعشها ، وتخلله الأبىّ بينها يغذيها ،،
وأرهفت أذنى سمعها لصوته الهادر ... يا الله الصوتُ عذبٌ فاسقنى منه بعضا .

رأيته يخترقنى ، يغسل قلبى بماء العز ليزيل عنه رواسب الألم واليأس ،،،
صفعةُ أبٍ مؤدبٍ لمس فى ابنه تأدية واجب خالية من الأمل ،، فأيقظت صفعته الشديدة فى نفس الفتى التفاؤل الذى دفنه ،،


جلستُ على الأرض اتأمل الثرى الطهور الذى تنعكس على ذراته صورة نجوم السماء والقمر الذى أوشك أن يبلغ رشده ليصير بدراً حكيما ؛ يقصده حيارى الليل وعشاق الغسق ...
وكأن تلك الذرات مرآة شديدة الصفاء ؛؛

حملتُ بين كفىّ شيئاً من ذلك العبق الذهبى الذى تموجت عليه ألوان الفضة ؛؛
واستنشقت عبيره المعتق بكل عطور الحنان ؛؛
فارتوت عينى من ثرى الوطن الحبيب الذى لو كان بيدى لجعلته يمشى فوق رأسى ، ولا أدع قدماً تدوس عليه أبداً .


سرتُ بحبورٍ تظللنى السماء صافية الأديم ، وتتهامس النجوم الخجلى كالبناتِ فى خدورهن يُـخضّـبهن الحياء ، ولا يُـسمع منهن غير الهمس ؛؛؛
ويتنحنح القمر مفسحاً لى الطريق ، متيحاً لى المجال كى أحكى ، أو أشكى إن أردت ...
ويتنفس الظلام بأريحية ناشراً ذراعيه لاستقبال خيوط الفجر البكر ، وأنسام النهار الصبوح ؛؛


حتى أطلت الشمس الضاحكة ، تلوم بمرح ليل العاشق الذى أخّـرها عن نهار العامل ،،
أطلت بيضاء دافئة بلا وهجٍ حارق ، كأميرةٍ مختالة تلتف حولها وصيفات السحاب ،،
ويحتفى بهودجها الديكُ المطيع ، وتعزفُ لها البلابل لحن الترحيب .


كنتُ حينها قد وصلتُ لمنبع الخير ؛؛؛
راقبتُ الشمس تغازله بدلال ، تكشفُ النقاب عن وجهها الأغر ، فتتمايل قطرات مائه طرباً لحسنها ؛؛
ويتمدد مجراه ليتسع لرسلها الذين يحملون العسجد الخالص ، وينثرونه على صفحة وجهه المشرق ،،

تطلعتُ إلى إكسير الحياة الذى يتهادى بين ضفتيه متباهياً بأنه نهر من الجنة على أرض وطنى جرى ؛؛
وامتدت كفى تداعبه ، فانتشى سعداً وتسارعت دفقاته بين أصابعى ؛؛
غسلتُ وجهى من ذلك الجود ، لأخفى مرارة الحزن التى رسمت عليه أعمق التجاعيد ،،

ورفعتُ وجهاً مغمض العينين إلى السماء ...
النيل بجوارى ، والثرى تحتى ، والشمس فوقى ،،،
الطيور تحيينى ، والهواء يلفنى ...
هو الوطن يضمنى فى أول ساعاتٍ أقضها بين أحضانه .


العاصمة ...
26 / 3 ))



وضعتُ القلم على الدفتر ، وبعد لحظة أعدتهما إلى جيب قميصى كـ عادتى ،،
بعد ساعاتٍ قليلة ستبزغ شمس يومى العشرين بين جنبات وطنى ،،
تبسمتُ مسترجعاً أول لقاء جمعنى بالوطن الحانى ، وتلفتُّ حولى مستمتعاً بزهور الحديقة التى أجلس فيها ...

بدأ فصل الربيع منذ أيامٍ معدودة ، فازدانت الحدائق بحلته السابغة ،،
الورد متفائل ، وصوت الكروان الصدّاح يملأ الدنيا ، والأسر البسيطة يجمعها الحب بالكلمةِ والنظرة ؛؛
الوجوه السمراء الطيبة كالوطن الأسمر الكريم ، والابتسامة الممزوجة بالعرق البارد ...

توقفت كرة صغيرة عند قدمى ، فنهضتُ سعيداً لأعيدها للصبية الذين يتقاذفونها بركلاتهم ،،
أخذتُ أناورهم باحتراف فعلت صيحاتهم وضحكاتهم وتشجيعات كل من فى الحديقة ،،
حتى سددتُ هدفاً ، فمسحتُ على رأس أحدهم مداعباً ، ووليتهم ظهرى وصيحاتهم تجبرنى على التبسم ...

ليتنى أعودُ طفلاً لا يستولى على اهتمامه سوى الكرة ،،
ولا يعلم أنه سيمشى فى شوارع بلده كالمتسكعين بلاهدف ، وبلا ... أمل ... حتى يلطمه الهواء من جديد ..


مشيتُ على غير هدى ، والناس من حولى يغلقون محالهم من أجل استراحة الغداء ؛؛
كـ كل الأبواب التى تنغلق دونى كلما طرقتها ؛؛

كل ليلةٍ أعود إلى ذلك الرصيف الذى وجدتنى عليه أمى ، أفتش كل ذرةٍ فيه ،،
وكأنى سأجدُ شيئاً له علاقة بأصلى بعد تسعةٍ وعشرين عاما ..!!!
كم أنا سخيف !! ولكن ماذا بيدى أن أفعل ؟!!

جبتُ جميع الأقسام دون جدوى ، والرد الساخر دائماً ... تبحثُ عن بلاغٍ لطفل منذ تسعة وعشرين عاما ؟ أين كنت وقتها ؟!!!!!

ياليت الأمر يقتصر على أين كنت ، ولكن إذا لم تجد أمى شيئاً فى يومها ، فهل سأجد أنا بعد ما يقارب ثلث القرن ؟!
وكيف سيبلّغ عنى أهلاً رمونى ؟!!!


كنتُ أعلم بكل هذا ، ولكن ليس لدى خيار ،،
بصيصٌ من الأمل يتقدمنى كالسراب الذى يلقاه اللاهث فى الصحراء ،،
يرغمنى على الركض لألحق به ، وما استطعتُ الإمساك به لحظة ...

أعود للشقة التى استأجرتها ، يطاردنى شبح الوحدة والعجز والضياع ،،
اتحدث إلى أمى كلما أمكن ، أكذب مدعياً أنى فى أحسن أحوالى ،،
أبثها أشواقى ، فتغمرنى دموعها عبر المسافات الشاسعة ،،،
وأسألها عن حبيبة القلب وأميرته ...

كم مرةٍ طلبتُ منها أن تجعلها فى حلٍ من وعدها إياى بالانتظار ،،
فتزجرنى أمى مُـعنّـفة ... كيف لى أن أيأس وأنا لم أكمل الأسابيع الثلاثة ؟!
ولكن الحال لن يتغير وإن قضيتُ عقوداً ثلاثة ....


حتى أبيتُ على سريرى الموحش ، واتدثر بالوشاح الغالى ... وتنحدر دمعاتى دون توقف ؛؛
تتأملنى النجمات العذارى ، وتتهامس من جديد حول ذلك الشريد اللقيط ؛؛
انظرن كيف يتوجع من فراق حبيبته ،،
يذكرنى همسهن بهمسها ، وخجلهن بخجلها ، ونقاءهن بنقائها ...


(( الله أكبر .... الله أكبر ))

شق نداء الصلاة سكون حالى ، ووقف النداء أمامى حائلا ...
صوتُ المؤذن الندىّ الرطب كشقشقة الصباح يلج القلوب بلا استئذان ،،

مشيتُ إلى المسجد كما يمشى الهلال الصغير الذى تعلم المشى حديثا ، محاطاً برداءٍ أسود يخيف الطيور فتعود إلى أعشاشها لتنام فى سكن الليل ؛؛

فى المسجد الذى يكتظ بالمصلين ،، قمصانهم بيضاء ، وأغلبهم شعورهم بيضاء ...
تشعر أنك فى بيتك ، بين أهلك وإخوتك ؛؛

الشيخ العجوز يقف فى صدر المسجد ، يحمل فى يده بضع تمرات .. " هل هناك صائمٌ بينكم ؟ "

أسمى معانى الرحمة ترتسم على الوجوه التى بان عليها العجز ، وأرقى سمات الإكبار لأولئك الكبار تبدو على محيا الصغار ؛؛

اصطف الناس بتحاب ، هذا يعين ذاك ، وذاك يعانق هذا ،،

شكوتُ إلى الله ربى فى سجودى ، هو المعين وحده ؛؛
وسلمتُ بعدما فرغتُ من صلاتى ، فوضع العجوز الذى يصلى بجوارى كفه على منكبى :
" ابسط إليه كفك أيها الشاب ، لا تبتئس هكذا "

ساعدتُ الشيخ حتى اتكأ على عكازه ، وسرتُ فى طريقى متوشحاً بالليل ،،
لأكرر ما أقوم به كل عشية ... دون جدوى
وصورة ملاكى منطبعةً فى قلبى ...

متى سألقاكِ ؟؟

(( أحبه جداً .. اسمعوه ))



للحفظ

هكذا الدنيا تسير ؛ التقاءٌ وافتراق
وعبورٌ فى طريق ؛ بين جدرانٍ شهاق
كم تعانق من صديق ؛ كم تصاحب من رفاق
كم تفارق من حبيب ؛ كم يزيد الاشتياق
كم تحن إلى رجوع ؛ كم تعانى الاحتراق
هكذا فينا تسير ؛ لا تريد لنا الوفاق !



*...*...*


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



وقفتُ على باب المستشفى ألوّحُ لها وهى تتجه إلى السيارة التى تنتظرها ؛؛

تنهدتُ بعمق عائدةً إلى غرفتى ، وبعد أن انتهيتُ من متابعة الحالات التى تجلس أمام الباب ؛؛
سألتُ جوليا : " هل هناك أحدٌ فى الخارج ؟ "


هزت رأسها نفياً ، ولكنها قالت :
" سألت عليكِ مارى عندما كنتِ فى الخارج ، قالت أن دكتور فارس يريدكِ "

أومأتُ برأسى وأنا أنهض حاملةً ملفات الحالات :
" حسناً جوليا ، سأذهب الآن ، إن جاءت حالة طارئة فاستدعينى على الفور "


سرتُ فى الرواق باتجاه مكتب فارس ؛؛
من المفترض أنه المشرف علىّ ، ولكنى من أذهب إليه يومياً للمتابعة وطلب المساعدة أو الاستشارة ؛؛
هل كل الأساتذة الكبار لهم ذلك الامتياز ؟!!


طرقتُ الباب ، وبعد لحظة أدرتُ مقبضه حينما أتتنى إشارة الإذن بالدخول ؛؛
طالعتنى بغيظٍ حمراء الشعر التى تجلس قرب الباب ،،
فرفعتُ رأسى وسرتُ بشموخٍ لاتجاوزها ....
أخشى أن اتعثر فى سيرى المتكبر هذا ..!


" السلام عليكم دكتور فارس "

أشار بكفه دون أن ينظر إلىّ : " وعليكِ السلام دكتورة نهى ، تفضلى "

جلستُ على المقعد ، ووضعتُ الملفات أمامه ؛ فراح يتفحصها بعين الخبير ،،
ظلت عينى تجول على شعره الأسود المهذب الذى لا أرى أمامى غيره بعد أن انكب على المطالعة ...

ثلاثة أسابيع قضيتها فى أصعب مرحلةٍ أمر بها ؛؛
ذلك الموجود قربى الذى يلهبنى حضوره ، ويهرول مبتعداً عنى ليزيد الفجوة بيننا ؛؛
حاولتُ معه بكل السبل ، حاولتُ أن أجعله يعدل عن قراره أو يلين عنه ،، ولكنه ثابتٌ صلدٌ كالصخور ..!

حتى أيقنتُ من أن كرامتى تبعثرت بتلك النتوءات على السطح ،،
فلزمتُ الصمت لأجاريه فيما يصنع ، واتبعتُ الرسمية كما يفعل ، واكتسيتُ بالثلج مثلما اكتسى ؛ ذلك الثلج الذى يتلاشى بزفرةٍ واحدة ؛؛؛


" أين كنتِ ؟؟ "
انتفضتُ فزعاً حينما طرق سمعى ذلك السؤال الصارم ؛؛

تمتمتُ ببلاهة : " أنا ... أين ... أقصد متى ؟! "

فى تلك اللحظة رفع وجهاً متجهماً إلىّ وزفر بضيق :
" أين كنتِ عندما ذهبت مارى لاستدعائكِ ؟ "

حدقتُ إلى وجهه بدهشة :
" كنتُ واقفة عند بوابة المستشفى اتحدثُ مع إحداهن "

أغمض عينيه ليجز على أسنانه محاولاً كتم غضبه الذى لا أعلم مصدره !!!!

" ألم أطلب منكِ ألا تذهبى لأى مكانٍ بمفردك ؟؟؟؟ "

احمر وجهى حنقاً : " أنا لستُ طفلة يُـخشى عليها من السير بضعة أمتار بمفردها "

كوّر قبضته ووجهها إلى المكتب بقوة :
" عليكِ إطاعتى دون نقاش "

انكمشتُ فى مقعدى لحظة خوفاً من ذلك الغضب الذى استمكن منه ، وبعدها صحتُ بعنف :
" أنت لست وصيّـاً علىّ كى تأمرنى ، إن كنت تخشى علىّ إلى هذا الحد فلم لا تتولَّ رعايتى بنفسك ؟ "

قلتها ونهضتُ ساخطة ، لماذا يتعمد إحراجى وإذلالى أمام تلك المخلوقة ؟!!!

كدتُ اتوجه إلى الباب ، ولكنى شعرتُ بنظرات الشماتة التى تقذفها الكريهة تخترق جسدى ،،
فاتجهتُ إلى النافذة القريبة من مكتب فارس ،،
ستعلم تلك الفاتنة بعد قليل أن فارس يحبنى أنا ؛ ولن يتزوجها مهما فعلت ...
رغم أنى لم أعد أثق بذلك ..!!!

تخيلتُ فارس فى حلته الأنيقة ، وإلى جواره عروساً بفستانٍ أبيض ولها شعرٌ احمر ؛؛
فسالت الدمعات على خدى ... هل يمكن أن يحدث هذا ؟؟

" لماذا تبكين ؟! "
زلزلنى ذلك الظل العابس الذى وقف صاحبه إلى جوارى ، وبالطبع سؤاله المستفز ؛؛

هتفتُ بغيظ : " لا تسألنى هذا السؤال ، أليس لديك غيره ؟!! "

ابتسم واستند على إطار النافذة المنخفض ، وجهه مقابلٌ لوجهى ؛؛

" آمل ألا أسمع يوماً تلك الإجابة الطائشة ، فلن انتظر خمسة أعوامٍ أخرى لأعرف الإجابة "

قلتُ بسخط :
" وماذا عن السؤال نفسه ؟ أليس طائشاً ؟ أنت تعرف أنى لا أبكى إلا بسببك "

ابتسم مشيحاً بوجهه :
" وإن كنتِ تبكين بسببى ، فلن أمسح دموعكِ هذه المرة ، هيا امسحيها فلا أطيق رؤيتها "

شعرتُ بالإهانة فى كلامه ، واستدرتُ لأغادر ،،
ولكنه أطبق بأصابعه على طرف كم عباءتى مغمغماً :
" لا تجبريننى على فعل ما لا يَـحِـلُّ لى "

رفعتُ وجهى إليه مشدوهة ، فرأيتُ فى عينيه نظرة الحنان التى تأسرنى ،،

مسحتُ الدمع بينما تنهد قائلاً :
" والآن ... هل يمكننا التحدث بتعقل ، بعيداً عن الأسئلة والإجابات الطائشة ؟ "

ابتسمتُ وأومأتُ برأسى ، فابتسم بدوره ؛؛
وما هى إلا لحظة حتى ظهر العبوس والتقطيب على وجهه من جديد ..!

" قد لا تصدقين ما أقوله نهى ، ولكنى ... أشعر أنى ... مُـراقب "

وضعتُ كفى على فمى مانعةً الشهقة ، فأسرع قائلاً :
" هو مجرد شعور ؛ شعور فقط "

أدرتُ وجهى إلى مارى ، فأعادت وجهها بسرعة إلى جهاز الحاسوب ،،
لقد كانت تراقبنا ..!!!

همستُ بغضب : " هى تلك الحقيرة ، ليس هناك سواها "

قال بهدوء : " لا أريد أن أطلق الأحكام جزافا "

تأملتُ وجهه المثقل بالألم : " ولماذا لا تخبر الشرطة ؟ "

زفر بحرارة : " وبماذا أخبرهم ؟ بـ شعور ؟!!! "

مازلتُ اتطلع إليه بكل ما فى نفسى من مشاعر ،،
حب وحنان ؛ عطف وتقدير ، وفاء وامتنان ، و .... أمومة أيضاً !!


قال ببطء :
" أريدكِ أن تنتبهى لنفسكِ ، ولا تتجولى بمفردكِ فى أى مكان "

نظرتُ إليه بحيرة : " وما دخلى أنا ؟! "

نظر فى عينى مباشرةً هامساً :
" لو استطاع أحدهم أن يلتقط لى صورة وأنا اتحدث إليكِ ، فسيعرف من نظرة عينى أنكِ نقطة الضعف فى حياتى "

احمر وجهى خجلاً ، وأطرقتُ برأسى متمتمة بحزن : " نقطة الضعف التى لا تريدها "

ابتسم بألم : " أخشى أن أُقتل نهار يوم الزفاف "

رفعتُ وجهى إليه قائلة : " فارس .... "

ولكنه قاطعنى بخشونة : " نهى ، أرجوكِ ، هذا الموضوع منتهٍ "

وقبل أن اعترض ، أو ألملم أشلاء كرامتى ، سألنى :
" من هى ( إحداهن ) التى قابلتها فى الخارج ؟ "

أجبتُ : " إنها ليلى ، أخت مهند "

شرد ببصره : " طالبة فى الثانوى ؟ أخبرتنى روان أنها رأتها معكِ يوم رأت مهند "

رددتُ عليه : " أجل ، هذا صحيح "

سأل بحذر ونظره ما زال بعيدا : " هل هناك شىء ؟! "

هززتُ كتفاى : " لا أبداً ، كان مهند ذاهباً لشراء بعض الحاجيات ، فطلبت منه أن يأتى بها إلى هنا كى تسلم علىّ "

نظر لى بتشكك ، فتنهدتُ لأكمل :
" هم سيأتون إلى زيارتنا اليوم ، وكانت ليلى تسألنى عن هدية مناسبة لأمى "

فى الحقيقة ، أنا أخفى عليه أهم جزءٍ فى الحقيقة ...!

ضاقت عيناه ، وتجهم وجهه ، وغاب بعيداً .... فيمَ تفكر يا فارس ؟!!


مضى وقتٌ قبل أن ينظر لى مبتسماً :
" مهند شاب رائع ، أليس كذلك ؟ "

اتسعت عينى حين فهمتُ ما يرمى إليه ، لقد أوشك أن يلمس الحقيقة ،،
حاولتُ أن أُظهر اللامبالاة : " أجل ، إنه كذلك "

رمقنى بحدة ولكنى تابعتُ :
" وهو أيضاً يحب روان كثيراً ، كيف حالها الآن ؟ "

أومأ مبتسماً : " هى بخير ، وفرح ترسل لكِ السلام "

نظرتُ فى عينيه طويلاً ، البحر الأزرق الذى أعشق ،،
نظرة طويلة محملة بالكثير ، ما أُخفى وما أُبدى ،،

تحررتُ بصعوبة من ذلك الالتحام الحارق ، واستدرتُ لأعود إلى عملى ،،
فهمس مودعاً : " اعتنى بنفسكِ ولا تغيبى عن ناظرى "

ابتسمتُ بأسف بعد أن أدرتُ ظهرى ...
خُـذ ناظرى يا فارس ، ولا تُـبعدنى عنك ..!



*...*...*



وقفتُ بضجر فى ذلك المحل المكتظ بالملابس مراقباً ليلى التى تعبثُ بين الثياب المعلقة ،،
وفى كل ثانية تشير لى بإحدى العباءات :
" ما رأيك فى هذه ؟ ستعجب والدة نهى ، أليس كذلك ؟ "

فى الحقيقة ، أنا أرى لجميع العباءات نفس الشكل ، وكان على ليلى أن تتكفل بشراء ما تراه مناسباً ؛ ولكننى مكلفٌ بإيصال أختى الصغيرة ،،
لاسيما أن المحال التى يُـباع فيها الحجاب الإسلامى قليلة جداً ؛ وتبعد عن منزلنا كثيراً ...


أشارت لى بعباءة أخرى للمرة التى لا أعرف لها رقماً ،،
وكدتُ أشير لها بيدى علامة الحث على الإسراع ، ولكن تلك العباءة لفتت انتباهى !!

اقتربتُ من ليلى قائلاً : " إنها رائعة ، أليس هناك قطعة مماثلة ؟ "

سألت ليلى إحدى العاملات ، فأخرجت لها عباءة أخرى من نفس النوع ؛؛

تنهدتُ برضًـى بعدما دفعتُ حساب العباءتين ، وسارت ليلى بجانبى نحو سيارتى ،،

" لمن اشتريت العباءة الأخرى ؟ "

أجبتها فوراً : " لأمى طبعاً "

نظرت ليلى للأرض متململة : " لم أكن أعلم أن أمنا متسلطة هكذا "

عبستُ قائلاً : " لماذا تقولين ذلك ؟! "

رفعت وجهها المستغرب إلىّ :
" ألا تعرف لم أقول هذا ؟ ألا ترى ما تفعله ؟!
لقد رتبت لتلك الزيارة دون أن تُـعلمك ، واختارت يوم إجازتك حتى نذهب قبل أن تعود نهى من عملها كى لا يكون هناك مجالٌ للرفض ، وفرضت علينا أن نحضر تلك الهدية التى لا أعرف لها سببا "


وصلتُ حينها لسيارتى ، ففتحتُ الباب الأمامى ، وجلستُ خلف المقود ؛؛
بينما صعدت ليلى إلى جوارى ،،

بقيتُ صامتاً أراقب الأفق من خلف الزجاج ، وليلى تتأملنى منتظرةً جوابى ؛؛
بعد فترة الصمت المهيب المُـهاب ، قلتُ :
" هى ليست متسلطة يا ليلى ، أى أمٍ لو صارت فى وضعها ستفعل الشىء نفسه "

حدجتنى ليلى باستنكار : " ولكنها تبالغ كثيراً يا مهند "

أومأتُ برأسى : " لأنها تحبنا كثيراً يا ليلى ، السبب والنتيجة "


أدرتُ المحرك لأقود السيارة ، بينما أدارت ليلى وجهها للنافذة ؛؛
خيم الصمت علينا فى طريق العودة الذى بدا طويلاً جداً ،،

ليلى تراقبه شاردة ؛ لاريب أنها تفكر فيما قلته لها ، وتبذل جهدها فى التحليل والاستنتاج ،،
أشعرأنى حملتها فوق ما تحتمل ، وشغلتُ ذهنها بقضية أكبر من سنها ...
ولكنى اكتشفتُ أنها تحبنى أكثر مما كنت اتخيل !!


اقترحت ليلى أن نمر على نهى قبل أن نشترى هدية لوالدتها ،،
رغم أن الفكرة لم تكن مستساغة بالنسبة إلىّ ، إلا أن الفتيات أكثر دراية بتلك الأمور ،،
وبعد أن قابلتْ نهى ، أخبرتنى أن تلك الاستشارة لم تكن غرضها الأساسى ،،
وإنما إخبارها بأن أمى قد تلمح لها بشىء ، وعليها أن تأخذ حذرها ...


حينما أفكر فى موقف أمى ، أشعر أنها معذورة ،،
فهى ستفقد ابنها المعتوه الذى وقع فى شباك المطلقة صائدة الرجال ،،
هذا ما تراه أمى ، وهذا ما أدركتُ أنه لن يتعالج لا بالعناد ولا بالحوار ..!

لا أريد أن أيأس ، ولكنى بِـتُّ أرى حل هذه المعضلة بعيد المنال ،،
يجب أن ترى أمى روان بنفسها ، لتتيقن من أن ابنها ليس معتوهاً كما تظن ،
وأن تلك الفتاة لا تعرف كيف تمسك بالسنارة ، فضلاً عن الصيد بها !!!

ولكن ، كيف سيحدث هذا ؟!

لن توافق أمى بالطبع إن طلبتُ منها زيارتها ،،
يجب أن تراها دون أن تعلم أنها هى ، وكيف ذلك ؟!!

لا استطيع عرض هذا الأمر على فارس ، فابنة أخته ليست بضاعة تُـلقى فى طريقِ رافضٍ لشرائها لتغريه بجودتها ،،
ولستُ أقبل أن توضع روان فى هذا الموقف المهين ؛؛
هى عندى أعز وأشرف ، يارب اجعل لى فرجاً عاجلاً ؛؛

ليت أمى تصل إلى ما وصلت إليه ؛؛
إن اعتمد كل شىء على المنطق ، فسيكون الحب هو شاذ القاعدة ؛؛
الحب لا يحكمه منطق ، ولا تسبقه لماذا ، ولا يعرف متى ولا أين ....


تنهدتُ بحرارة قائلاً :
" هيا يا ليلى ، هل ستبيتين هنا ؟! "

نظرت لى بشرود ، تبدو مهمومة وحزينة ، أنا السبب فى كل هذا ، ليتنى لم أقحمها فى ما لا قبل لها به ؛؛

أطفأتُ محرك السيارة وترجلتُ منها ، وسبقتنى ليلى إلى البيت ؛؛
حاولتُ تجنب رؤية والدتى عندما دخلتُ الشقة ، ووضعتُ العباءتين على المقعد القريب من الباب وأسرعتُ ذاهباً إلى غرفتى ؛؛

أخرجتُ قميصاً جديداً من خزانة ملابسى ، وما إن وضعته على السرير حتى طُـرق الباب ، وأطل من ورائه وجه أمى فى غضون ربع لحظة !!

قالت بسعادة :
" ذوقك رائع يا مهند ، ساصطحبك معى كلما أردتُ شراء شىء "

ابتسمتُ مقبلاً عليها : " فى الخدمةِ دائماً "

ردت بصوتٍ ماكر :
" والأروع أنك اخترت لأمك نفس ما اخترته لأم نهى ، ستفرح كلتاهما إن علمتا بهذا "

وجمتُ برهة قبل أن أغمغم مصطنعاً عدم الاكتراث : " حقاً ؟ هذا جيد "

قالت وهى توصد الباب خلفها :
" لم يبقَ لدينا الكثير من الوقت ، حاول أن تنتهى سريعاً "

أومأتُ برأسى وراقبتها وهى تغادر ، لم اتخيل فى يومٍ أنى ساستطيع ضبط أعصابى كما أفعل الآن ؛؛
ولكن التصرف الحكيم فى موقفى هذا ؛ هو أن أجاريها حتى تطمئن إلى جهتى ، ويأتى الرفض من جانب نهى ووالدتها ؛؛

اغتسلتُ وارتديتُ ثيابى ، وصليتُ المغرب فى المسجد مع والدى الوقور الذى فقد ثقته فى وحيده ،،
حينما عدنا إلى البيت ، كانت أمى وليلى قد انتهتا من الاستعداد ؛؛

قدتُ سيارتى ، وتوقفتُ فى الطريق لاشترى بعض الحلويات والزهور بأمرٍ من أمى ؛؛
داعياً الله أن يلهمنى الصبر حتى النهاية ؛؛

أجمل ما فى الأمر ، أن تلك الزيارة عــاااااادية ،،
لا أعلم ما الذى قد تفعله أمى إن كانت الزيارة رسمية ...؟!!!!

يارب اجعل تلك الزيارة تمر على خير .



*...*...*



لم أشأ أن أخبر فارس بأن والدى لن يصطحبنى إلى البيت اليوم حتى لا أضطره إلى إيصالى ؛؛
وانتهزتُ فرصة انشغاله حتى أخرج من المستشفى ،،

ما إن وصلتُ إلى البوابة حتى سمعتُ صوته من ورائى ،،
التفتُ إليه وقد تسللت إلى نفسى خيبة الأمل ؛؛

" نهى ، إلى أين أنتِ ذاهبة ؟! "

احمر وجهى وتلعثمت ، فتابع هو مشيراً بذراعه إلى شىءٍ لم اتبينه :
" لديكم ضيوف اليوم ، لن يصطحبكِ والدكِ إذن ، اتبعينى "

قالها متجاوزاً إياى وسط عدم استيعابى ، استدرتُ لأجده يستقل سيارة أجرة بجوار السائق ، ويشير إلىّ :
" اصعدى هيا "

تقدمتُ بسرعة وكلى اندهاش ، لم يترك لى مجالاً للرفض لأنه لم يعرض علىّ إيصالى بسيارته ،،
ليتك تريح نفسك وتريحنى يا فارس !!


وقفت السيارة أمام البناية ، فنزلتُ منها وشكرتُ فارس بخفوت ،،
ولكنه كان شارداً يتطلع إلى شرفات البناية ...

لماذا لا يفهم أننى ومهند لا يحب أحدنا الآخر ؟!
أم أنه يخشى من أن أضعف أمام إصرار والدته ؟!

لوح لى بنظرات عينيه الداكنتين فى حين دارت السيارة نصف دورة عائدة إلى طريق المستشفى ،،
بالتأكيد سيعود ليأخذ سيارته ؛؛

وصلتُ للشقة وقرعتُ الجرس ، ففتح لى والدى وأشار إلى إحدى الغرف حيث يجلس مهند ووالده ؛؛

شعرتُ بالرهبة وأنا أسير خلف والدى ، فلم أقابل والد مهند من قبل ؛؛
دلفتُ إلى الغرفة ، فنظرتُ إلى ذلك الرجل الوقور الذى وقف بثباتٍ مبتسماً وإلى جواره ابنه المؤدب ،،
لا أعلم لماذا تخيلتُ أخى سيف يسير بصحبة والدى ؟!
ولا أعلم لماذا تقترن صورة سيف المسافر بتلك المخيلة ؟!


ابتسمتُ مرحبة :
" السلام عليكم ، تشرفنا بزيارتك يا عمى "

بادلنى الرجل الوقور ابتسامة رصينة :
" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، هذا من لطيف ذوقكِ يا ابنتى "

وجهتُ نظرى إلى مهند : " وأنت بالطبع دكتور مهند "

أشرقت على وجهه ابتسامته المميزة : " شكراً نهى ، كيف حالكِ ؟! "

رأيت ُ فى عينيه شيئاً من وجلٍ واضطراب ، فحاولتُ أن أمنحه نظرة مطمئنة بأن الأمور ستسير على ما يرام بإذن الله ؛؛

لو رآنا أى شخص الآن ، فسيعلم أن العيون تبادلت حديثاً صامتاً ؛؛
ولكنه أبعد ما يكون عما يرجوه أهل مهند ..!!


استأذنتُ منهم لأذهب حيث تجلس السيدات ،،
عانقتنى والدة مهند بحب كبير وحرارة شديدة ،،
تلك السيدة تحبنى كثيراً ، ولكنى أثق بأنها ستحب روان أكثر إذا ما تعرفت عليها ...

طفق الحديث يهدهدنا بلطف بين أطرافه ، لاسيما بينى وبين هدى وليلى ،،
وهذا أمرٌ أسعدنى ، فهدى انقلب كيانها كلياً بعد سفر سيف ، حتى خشيتُ من ملاحظة أمى لذلك ،،
وها قد أتت فرصة جميلة للتخفيف من حزنها ...

سار الحوار مترفقاً ، وأحسنت أمى الإمساك بزمامه ، حتى أن والدة مهند المتأهبة لم تستطع توجيه أى ملاحظة أو تلميح إلىّ

قالت أمى بهدوء مبتسمة : " نهى ، هل أوصلكِ فارس ؟ "

اتسعت عيناى ذعراً فى حين بدت أمى هادئة جداً وواثقة جداً كذلك !!

حاولتُ أن أبدو طبيعية : " أجل يا أمى "

أردفت : " هل أبلغتِـهِ سلامى ؟ "

نظرة الثقة فى عين أمى جعلتنى أفهم على الفور أنها تعرف ما الذى تقوله ، بغض النظر طبعاً عن أنها لم تطلب منى أن أبلغ فارس سلامها ،، لذا فإنى لم أعد أخشى من عواقب تلك التمثيلية التى بدأتها أمى ...

أطرقتُ برأسى مبتسمةً بخجل : " وهل نسيتُ يوماً شيئاً طلبته أمى ؟! "

لم استطع رفع عينى إلى والدة مهند ، ولكن نبرة صوتها أنبأتنى كم هى مندهشة ومستهجنة كذلك :
" فـارس ؟! مـن هـو فـارس ؟!! "

سألت أمى باستنكار : " نهى ، ألم تخبرى أم مهند عن فارس من قبل ؟!! "

احمر وجهى بصورة حقيقية لا تمثيل فيها ، فلهجة أمى جعلتنى أشك فى أنها مستنكرة فعلاً ؛ ولا دخل للتمثيل فى ذلك !!
ولكن النظرة التى أرسلتها إلىّ أزالت هذا الشك من نفسى ، لم أكن أعلم أن أمى ممثلة بارعة هكذا ^_^

قلتُ بحرج : " آسفة ، لم تكن هناك فرصة لذلك "

ظلت أم مهند تنقل بصرها بينى وبين أمى بصدمة ، وحاولتُ ألا أترك نظراتى تلتقى بنظراتها حتى لا ينفضح أمرى ،،
ولا بالفتاتين أيضاً كى لا ننفجر فى الضحك ؛؛

حقيقةً ، أنا أشفق على والدة مهند ، ولكن يجب أن تعرف الحقيقة حتى لا تتمادى فى نسج الأحلام والأمانى ،،

زفرت أمى هواء رئتيها بتعب .... ما أبرعكِ يا أمى ^_^ !!
" إنه زوج نهى "

صاحت والدة مهند بتعجب : " زوج مـــن ؟!!!!!! "

تنهدت أمى :
" هذه حكاية طويلة يا أم مهند ، لقد كان من المفترض أن يتم زفافهما منذ أكثر من عامين ، ولكن حدثت مشاكل فرقت بينهما "

بقيت والدة مهند تقلب وجهها الحائر الممزوج ببعض العصبية بين وجه أمى ووجهى :
" مشاكل ؟!!! أية مشاكل ؟!!! "

تنهدت أمى من جديد :
" سأحاول الاختصار قدر ما استطيع ، قبل زفافهما بوقت قصير تم القبض على فارس بتهمة تهريب المخدرات ، وبالطبع أصر أبوها أن يفرق بينهما ، وظلت نهى طيلة العامين فى تلك الحالة التى ترينها عليها ؛ حتى اكتشفنا أن الشاب كان مظلوما ،،
وتم تلفيق التهمة بواسطة زوج ابنة أخته الذى كان زميلاً حاقداً عليه ، ولم يدخر جهداً من أجل أن تحصل الفتاة على الطلاق "


ازدادت المسافة بين جفنى السيدة ليكشفان عن كتلة مهولة من الذهول الذى يسألنى بلا لسان :
" هل هذا صحيح ؟!! "

أطرقتُ برأسى وفى نفسى الإجابة : " هو نصف صحيح "

ارتخت فى مقعدها حتى أنى خفتُ أن يصيبها الإغماء ، قالت بتوتر : " وماذا بعد ؟! "

هزت أمى كتفيها :
" لا استطيع معارضة رغبة ابنتى فى العودة إلى زوجها الذى تحب بعدما انكشف لنا كم ظلمناه ، وكم أنه شريف ونزيه ،،
ولو كان لدىّ ابن لما تركتُ تلك الفتاة المسكينة لرجل غريب "

غمغمت بكلماتٍ لم أفهمها ، وقع الصدمة عليها كبير دون شك ؛؛

مر الوقت بعد ذلك ثقيلاً مملاً مفتقداً للبهجة مفتقراً إليها ، حتى حان موعد انصرافهم ،،
فاحتضنتنى ليلى بقوة وفى عيونها شكر لا مصب له ،،
وألقيتُ على مهند نظرة عابرة مُـفادها ... تمت المهمة بنجاح

وبعد أن أُغلق الباب ، لم استطع حبس ضحكاتى أطول من ذلك ... ^_*



*...*...*


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



وقفتُ فى الغرفة المظلمة ، أراقب النجوم التى تقف فى مكانها بشموخ مُـغترة بكونها قادرة على رؤية الأرض من أقصاها إلى أقصاها ؛؛

لماذا لا تسمعنى النجوم حين أطلب منها كل ليلة أن تخبره كم أنا مشتاقة ؟!
ولماذا لا تنقل لى صورة وجهه الصحو الذى أذوب توقاً لمرآه ؟!

أوشك غيابه أن يتم ثلاثة أسابيع ، فما لى أحسه ثلاثة قرون ؟!
وما له لا يشعر بما أنا فيه ؟!

حينما تفارق من تحب ، وتشعر أنه أخذ قلبك معه ، ونزع روحَـكَ منكَ غيابُـه ،،
وغرس مكانهما شلالات الأسى ، ونيران الوجد ، ولوعة الشوق ...

تتنسم أخباره من السماء التى تظله ، تطلب منها أن تحنو عليه ، تترقرق عبراتك سائلةً الله له الحفظ والرعاية ،،

حتى تتعب الدموع ، فـ تطلب منك هدنة أو إجازة ...
وكيف لها أن تتعطل عن أداء مهمتها ؟!

وأنا بعيدة عنك ..
يقتلنى الأسى
وتُـذيبنى نار انتظارى
أنا بعد فرقتنا ؛
غريبة دائماً ...
أنا ما شعرتُ بأن تلك الدار دارى
يا ليتكَ ما قد رحلت
ولم تفكر فى الرحيل
ما كان هذا أى يومٍ فى اعتبارى
ولكم تحاولُ جاهداً
يا قلب أن تُـخفى الهوى
وأنا أقول :
هيهات يا قلبى ، ستقدرُ أن تدارى !!

احتضنتُ الخاتم الصغير بكفى قبل أن أعيده إلى الدرج الذى أخبئه فيه بعناية ،،
وبعد ذلك غسلتُ وجهى وذهبتُ إلى الغرفة التى تجلس فيها خالتى ...

كانت جالسة على مقعد وثير ، مستندة برأسها على إطار النافذة ،،
جلستُ على الأرض أمامها ووضعتُ رأسى فى حجرها ،،
فأخذت تمسح على شعرى بصورة تبعث النوم فى جفونى ،،

" ما هذا الجو الشاعرى ؟! "

قالتها نهى بمرح وهى تدلف إلى الغرفة ، حاملةً كوب الشاى الذى اعتادت خالتى شربه قبل أن تنام ؛؛
وما هى إلا لحظة حتى جلست بجوارى ، تحاول أخذ شبرٍ من ذلك الحجر الدافىء الذى استأثرتُ به ،،
أفسحتُ لها قليلاً ، فوضعت وجهها أمام وجهى بفرحة ...

ما أجملها وجوهنا حينما تصطبغ بصبغة الطفولة ..!

قلتُ بصوتٍ شبه نائم : " خالتى ، احكى لنا قصة "

رفعت نهى رأسها برجاء :
" أجل يا أمى ، احكى لنا قصة أخى سيف ، فأنتِ ترفضين ذلك دائماً "

غامت عينا خالتى ، فنظرتُ لنهى موبخة ، ها قد ساد جو الحزن على وجهها القشيب ...

ردت بضعف : " حسناً ، ضعى رأسكِ فى حجرى "

أعادت نهى رأسها ، وشعرتُ أن قلبى ينقبض ،،
ستحكى خالتى ما تخفيه عنا دائماً ، يارب احفظ سيف ابن خالتى ، واحفظ حبيبى سيف ...


ذهبت ببصرها بعـــيداً لتقص على مسامعنا الحكاية بألم :
" فى قديم الزمان وسالف العصر والأوان ، كانت هناك فتاة جميلة تزوجت من رجلٍ نبيل ، به كل المواصفات التى تحلم بها ، ومرت أيامهما سعيدة ، يحلمان ببيتهما الذى سيمتلىء بالأطفال ، ومستقبل حياتهما المشرقة ؛؛
وظلت الفتاة تدعو الله فى كل صلاة أن يرزقها ولداً نجيباً يشبه زوجها الذى تحبه كثيراً ، حتى شاء الله لها أن تحمل فى أحشائها ذلك الجنين ، وهنا ... ثارت ثائرة إحداهن "

نظرتُ لها أحثها على المتابعة :
" هل هى الساحرة الشريرة ؟ "

مسحت على رأسى ليستقر على فخذها :
" أجل ، وكانت الساحرة الشريرة هذه المرة هى زوجة أخى زوجها ، كان رقيق الحال ، ولكنه رفيع الخلق ، وكانت زوجته لا تقنع بما رزقها الله ،،
فـ تثقل عليه بطلباتها بداعٍ أو من دون داع ، وتحقد على إخوته وأخواته وتتفنن فى إيذائهم ، حتى وقعت الفتاة الجديدة فى قبضتها الشريرة "

قالت نهى بلهفة : " وماذا فعلتْ ؟؟ "

تنهدت خالتى :
" يقول الراوى أنها حاولت التوقيع بينها وبين زوجها وأهله أكثر من مرة ، ولجأت إلى السحر كى تقلب حياتها رأساً على عقب ، وجاهدت لكى تُـفقدها جنينها ؛؛ ولكن الله كان يرعى الفتاة الصغيرة ، فحماها من براثن تلك الشريرة الناقمة "


" وماذا بعد ؟ " .... قلتها بتشوق

فتابعت خالتى :
" وقبل موعد ولادتها بأسبوعٍ واحد ، تغيرت الساحرة كلياً ، وجاءت تعتذر إليها وتبكى راجيةً الصفح ، معلنةً التوبة ، مُـقرّةً بفداحةِ ما ارتكبتْ ،،
فما كان من الفتاة الطيبة إلا أن اطمئنت لها ، وعفت عنها ، واتخذتها صديقة كذلك ،،

حتى حان موعد قدوم المنتظر ، فكانت لها نعم العون والسند ، وأرسلت لها خادمة لتساعدها وتسهر على راحتها ، ولم تكن تلك الخادمة عربية ، وبالطبع كانت لفتة كريمة منها ، فلقد فعلت ذلك رغم دقة حالها "


صمتت خالتى ، فاختسلتُ النظر إليها لأجد الدموع تتلألأ فى عينيها ، مسحتها سريعاً لتكمل :
" وجاءت لحظة الولادة تزف البشرى إلى الفتاة بقدوم منتهى أحلامها ، وغاية مناها ... ولى عهدٍ صغير ستُـنشّـأه ليكون ملكاً عادلاً يحافظ على رعيته ويحكم المملكة بالحب والخير ...

ومضت الساعات تصارع آلام الوضع التى تصر على أن تصيبها بالإغماء ، وكأنها لا تريد أن تفوّت على نفسها أى لحظة تشهد فيها خروج الروح من الروح ، فسبحان من وسعت قدرته كل شىء ...

تراقب عقارب الساعة ، تحثها على الإسراع ، تتمتم شفتها بالدعاء أن يحفظ الله ابنها ، ويرزقها إياه سليماً صحيحاً معافًـى ..

حتى شقت سكون الليل أنغام حنجرته ، صرخ ليعيد إليها الروح ، فارتج جسدها كله ، وتسابقت الدموع لتروى الوسادة التى تنام عليها والتى سرعان ما أزهرت منتظرةً استقبال الوليد الحبيب ...

هى لحظات لا توصف ، صرخاته الموسيقية تجعلها مضطربة ، تضحك وتبكى ،،
يصفعها الألم كى تستسلم جفونها للنوم ، فتصرخ فى وجهه الأمومة الساكنة فى أعماق كينونتها ،،
الأمومة التى غُـرزت فى ذاتها تنتظر لحظة إيقاف الموقت لتنفجر بكل قوتها ،،
ظلت تتلفت حولها ، تصرخ عليهم ليحضروه إليها ، حتى استقرت الهالة البيضاء إلى جوارها "


ضغطتُ على كف خالتى التى كانت تمسح دموعها بالكف الآخر ، وحانت منى التفاتة نحو نهى التى لم تكن بأفضل حالٍ من أمها

استأنفت خالتى حديثها :
" ارتجف كل كيانها ، وامتدت يدها التى تهتز بقوة ريختر لتزيل الغطاء من على وجهه ، حتى ظهرت تلك المضغة التى سكنت بجوار مضغتها ،،

جاشت كل عواطفها ، واستقرت فى أناملها التى تحتضن بشرة وجنتيه وجبهته ، وتطوف معانقة أنفه الصغير وأهدابه الجميلة ، لترسل أناملها إشارات عصبية لمشاعر الأرض قاطبة كى تجتمع وتستقر فى قلبها المنتفض فرحاً وحباً وحناناً وكل ما لا أعرف له وصفاً ،،
حتى شعر حبيبها الصغير بخفقات أناملها ، فتوقف عن البكاء وصار يتتبع أصابعها بحركات راسه ،،

قربت منه شفتيها المرتعشتين ، وغابت عن الوجود حين قبلت وجهه غضّ الإهاب ، واستنشقت رائحته التى تقطر براءة وصغرا "


جلستُ على ركبتى لأمسح دموع خالتى ، فضمتنى إلى صدرها ، وكذلك فعلت مع نهى ،،
كان الألم يقطر من صوتها :

" وبعد دقائق ، أخذه والده ليؤذن فى أذنه ويُـحنّـك بالتمر فمه ، وبعدها أعاده إلى حضنها ، وانحنى يقبل جبينها هامساً بحب ( حمداً لله على سلامتكِ يا أم سيف ) وهكذا كنّـاها وسمّـى الوليد فى نفس اللحظة ، وحينها علمت الفتاة أن السعادة التى تحملها فى قلبها أكثر مما قد تحتمله ،،

بجوارها زوجها الذى يحبها ، ووليدها الذى تهواه ... هل هناك سعادة تفوق تلك ؟!!

ومضى الأسبوع الأول ، والرضيع ملازمٌ لحضنها لا تسمح لأحدٍ بأن يأخذه منها ولو للحظة ... حتى جاءت ساعة الغدر "


بدت وكأنها تستعيد ذكرى موجعة تجتر أحزانها ...

" واستيقظت فى ليلةٍ تشعر بالبرد ، ضمت ذراعيها على وليدها الرضيع الذى ينام فوقها ، فقابل ذراعيها الخواء ، هبت صارخة توقظ زوجها الذى انتفض فزعاً بدوره ؛؛
بحث عنه فى كل شبرٍ من البيت ولم يجد له أثرا ،،
والفتاة المسكينة يُـغشى عليها وتفيق ، تصرخ على الخادمة ولا مجيب ؛؛

حتى تيقنا من عدم وجوده أو وجود الخادمة ،، ساقها قلبها المذعور إلى بيت الساحرة الشريرة لتبحث عن الخادمة هناك ،،
ولكن الساحرة نفت كونها على علمٍ بأى شىء ، وكان سؤال الجميع المستنكر ( لماذا تخطف الخادمة الطفل ؟!! )

جالت وزوجها فى كل بقاع مدينتهم الساحلية ، بين الأزقةِ والطرقات تقوده الدموع ، وتسبقها الشهقات ، وتلطمهما أمواج الليل

حررا بلاغاً فى كل أقسام الشرطة أملاً فى العثور عليه ،،

وقضت الأسابيع الأولى بعد اختطاف حبيبها الوليد الذى ما إن هنأت بقربه حتى رحل ، قضتها بجوار الهاتف ،،
تنتظر أى بارقة أمل ، ترقب أية أخبار جديدة ، تأمل أن تتصل الخادمة الأجنبية لتطلب فدية وهى على أتم استعداد بأن تقدم روحها له فداء ...

ومضت الأيام والشهور لتخبو جذوة الأمل ، فاحتسبته عند ربها ، تدعو له كل لحظة ،،
تحمل ثيابه الصغيرة القليلة ، تغمرها بقبلاتها وعبراتها ، ترتشف عطر رضيعها الذى انتُـزع من حضنها ،،
وبعد وقتٍ قصير صارت الساحرة الشريرة على فراش الموت ،،

فاعترفت بأنها من دبر لذلك ، وهى من دفعت للخادمة كى تخطف الرضيع وتطير إلى بلادها ، وأقسمت أنها لا تعرف أين ذهبت به ، وهل هو معها أم فى بلادنا ، حى أم ميت "


لا أعلم كيف ميزتُ هذا الكلام المختلط بنحيب ثلاثتنا ، بعد أن هدأ روع خالتى شيئاً يسيراً سألتها نهى :
" ألا تذكرين يا أمى ما الذى كان يرتديه يومها ؟ "

شردت خالتى الصابرة :
" بالطبع أذكر ، لحديثى الولادة ثياب مميزة دائماً ، وأذكر جيداً أن فى اليوم الذى سبق اختطافه أهداه والده خاتم فضى مكتوبٌ عليه اسمه "

ارتجت جوارحى بعنف ، فهتفتُ باضطراب : " مــــاذا ؟!!!! "

ردت خالتى بهدوء :
" ماذا بكِ هدى ؟! خاتم فضى صغير مكتوبٌ عليه سيف "

لا أدرى لماذا تراصت الصور بجوار بعضها ...
حزن سيف الدائم ، سفره للوطن ، غياب والده ، الخاتم الذى طلب منى أن أسأل والدته عن قصته وقصة صاحبه ، شبهه الكبير لعمى نبيل ، شعور نهى وخالتى ...


ركضتُ بسرعة نحو غرفتى متعثرة ، تلاحقنى تعجبات نهى وخالتى ،،
هل حقاً ما أفكر في ؟!!!
هل ما وصلتُ إليه صحيح ؟!!!


عدتُ إلى خالتى حاملةً الخاتم بين كفىّ ، قلتُ لاهثة :
" خالتى ، هل يشبه هذا ؟؟ "

التقطته خالتى بدهشة فى حين ألصقت نهى رأسها برأس والدتها ...

قلبته بين أصابعها فى ذهول :
" إنه يشبهه تماماً يا هدى ، من أين جئتِ به ؟!!! "

قلتُ بانفعال :
" إنه لجارنا سيف ، أعطانى إياه وقال لى إن طال غيابه اسألى والدتى عن قصته وقصتى "

حدقت خالتى إلى وجهى وقد اتسعت عيناها متمتمةً بهمس : " سيف ... سيف "

وما هى إلا لحظات ختى انتفضت واقفة تهز ابنتها صارخة :
" سيف ، إنه هو ، أجل ، لقد أخبرتكم بذلك ، إنه ابنى "

قالتها وأزاحت كلتينا ، متجهةً إلى باب الشقة ،،
لحقنا بها ننادى عليها ، ولكنها هرولت بقلبِ أمٍ مكلومة ...

ظلت تطرق باب شقة أم سيف بصراخ ، ونحن نحاول تهدئتها ،،
حتى ظهرت السيدة المرعوبة ، وقبل أن تنطق بأى شىء ، كانت خالتى قد أمسكت بكتفيها ترجها بعنف :
" ابنى ، أين ابنى ؟؟ ماذا فعلتم به ؟!!! "

كان الأمر أصعب من أن تستوعبه السيدة ، فتكفلت نهى بمحاولات غير مجدية لإقناع والدتها بالهدوء ،،
بينما قلتُ للسيدة بصعوبة :

" سيدتى ، نأسف على إزعاجكِ ، ولكنه أمرٌ يطول فيه الشرح ، أعطانى سيف قبل أن يسافر خاتماً صغيراً له وطلب منى أن أسألكِ عن حكاية الخاتم ، والآن خالتى رأته وتقول أنه يشبه خاتم ابنها سيف الذى اختُـطف بعد أسبوع ، فهل لديكِ تفسيرٌ لذلك ؟! "


حملقت السيدة فى وجهى هامسة : " اختُـطف بعد أسبوع ؟!! "

أومأتُ برأسى ، فبدت وكأنها تبذل جهداً للتصديق ، حتى ازدردت لعابها :
" أجلسيهم يا هدى ، سأعود بعد لحظات "

أجلستُ خالتى المنهارة ، وبعد لحظات عادت السيدة المصدومة وقربت من خالتى بعض الملابس ولفافة بيضاء ،،
ما إن رأتهم خالتى حتى شهقت بكل ما فى قلب الأم من ألم ...

" أجل ... أجل ... إنها ملابسه ... ملابس ابنى ... سيف ابنى "

قالتها وفقدت الوعى ، جريتُ نحوها فجاءنى صوت ارتطامٍ من خلفى ،،
استدرتُ لأجد السيدة قد لحقت بها ...

لم أفهم أى شىء سوى صراخ نهى الباكى :
" هــدى ، اتصلى بـ فارس "


*** *** ***

يُـتبع بإذن الله ..
.
.

فى كل مرة أقول أنه أطول فصل كتبته ..
هذه المرة أطول فصل فى تاريخ الروايات
فقط ... لأننى أحبكم


فى الفصول الأولى كنت أريد وضع حدث مأساوى عنيف فى هذه الأجزاء
سألت أختى فقالت ( حرام عليكى ، أكتر من كده مآسى )

فعدلتُ عن الفكرة
ولأن شيطان الشر متأجج داخلى ، ومارد العدوانية بلغ ذروته ..
سأسألكم ... تريدون حدثاً مأساوياً ؟
^_^



لن أغير ما أريد كتابته وما استقر عزمى عليه
ولكنى أحب معرفة رأيكم


amira habiba غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-25-2012, 12:36 AM   #344
M Mahmoud
 
الصورة الرمزية M Mahmoud
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
المشاركات: 115
افتراضي رد: •·.·`°·.·( أنت قمرٌ فى سماى )·.·°`·.·•

ربنا يبارك فيكِ يا أميرة
لسه شايفاه دلوقتى
وحالا هقرأه ان شاء الله
M Mahmoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مهند, أنت, روان, فارس, فرح, نهى, قمر, قمرٌ

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 09:11 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar